انطلاقًا من هذا التصور لعمل سعيد في حقول بحثية ومعرفية متعددة، وتطوره الدائم، وعدم شعوره بالاستقرار في حقل أو منهجية ضيقة في البحث والكتابة، يعمل حديدي على قراءة تحولات سعيد في ميدان النقد والنظرية، بدءًا من تأثره بمدرسة جنيف النقدية، وليس انتهاءً بتصوره الطباقيّ للآداب والثقافات والتجارب الإنسانية، وعدائه الشديد لسياسات الهوية المتصلبة غير المتحولة، وإيمانه بهجنة الثقافات، ودور المثقف الذي يرى «سعيد» أن عليه أن ينخرط في الشأن العام ولا يبيع معرفته للسلطة مهما كان الثمن ومهما تعاظمت الإغراءات. لكن هذه الخطوط العامة لعدة سعيد الفكرية لم تحل دونه وتطوير منهجية في البحث والقراءة والتحليل النقدي أثَّرت في أجيال متتابعة من النقاد والباحثين في العالم الثالث، أو الراحلين من بلدان الشرق إلى الغرب، أو المثقفين المنشقين من أبناء الغرب نفسه.
يسعى إلى التعريف بإدوارد سعيد ناقدًا، حيث يركز بحثه على الأعمال الأولى التي سبقت صدور الاستشراق من كتب ومقالات نشرها في دوريات أميركية عديدة مناقشًا الكثير من القضايا التي شغلت الحياة النقدية والفكرية الأوربية والأميركية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. ويركز حديدي، انطلاقًا من عنوان الكتاب، على كتابي سعيد غير المترجمين إلى العربية: «جوزيف كونراد وقصص السيرة الذاتية» و«بدايات: القصد والمنهج»، وكذلك «العالم والنص والناقد» (1983م)، ويضرب صفحًا عن كتاب «الاستشراق» (1978م)، و«المسألة الفلسطينية» (1979م)، وكذلك عن «فرويد وغير الأوربيين» (2003م)، و«الأنسنية والنقد الديموقراطي» (2004م)، و«حول الأسلوب المتأخر» (2007م)، لكنه يناقش كتب سعيد الأخرى: «بعد السماء الأخيرة» و«الثقافة والإمبريالية» (1993م)، و«متتاليات موسيقية» (1991م)، و«تمثيلات المثقف» (1994م)، و«تأملات حول المنفى» (2000م). كما أنه يضيف عددًا من المقالات التي ترجمها لإدوارد سعيد، وحوارًا أجراه معه عام 1994م، ومقالة ترجمها لستيفن هاو «إدوارد سعيد: المسافر والمنفى» كتبها عن سعيد بعد وفاته.
كاتب سوري. تخرّج من جامعة دمشق – قسم اللغة الإنكليزية وآدابها، وتابع دراساته في فرنسا وبريطانيا. نشر العديد من الأبحاث النقدية والترجمات في دوريات عربية وأجنبية مختلفة، وقدّم دراسات معمّقة في التعريف بالنظرية الأدبية والمدارس النقدية المعاصرة (الخطاب ما بعد الإستعماري، إعادة قراءة فرانتز فانون، القارىء والقراءة والإستجابة، الموضوعة الغنائية، الحديث وما بعد الحداثة، النقد التاريخاني الجديد، وسواها). نقل إلى اللغة العربية العديد من الأعمال في الفلسفة والرواية والشعر والنظرية النقدية، بينها مونتغمري واط: "الفكر السياسي الإسلامي"، 1979 ؛ كين كيسي: "طيران فوق عشّ الوقواق"، رواية، 1981؛ ميشيل زيرافا: "الأسطورة والرواية"، 1983؛ ياسوناري كاواباتا: "ضجيج الجبل"، رواية، 1983، و"أستاذ الـ غو"، رواية، 2007؛ صمويل هنري هوك: "منعطف المخيّلة البشرية"، 1984؛ كلود ليفي – ستروس: "الأسطورة والمعنى"، 1985؛ مجموعة مؤلفين: "عاصفة الصحراء، عاصفة الحداثة"، 1991؛ إدوارد سعيد: "تعقيبات على الإستشراق"، 1996. يقيم في باريس، ويكتب بصفة دورية في صحيفة "القدس العربي"،لندن؛ والشهرية الفرنسية Afrique Asie، باريس