الكتاب الثامن عشر /2024
مشاة لا يعبرون الطريق
د. عاطف ابو سيف
"
"للموت طرق عدة كلها مفجعة. ليس من جدوى أن نفاضل بين واحدة وأخرى. تثير ضربات حوافره على الإسفلت دويّاً صارخاً يقلق مضاجعنا، وفي مرّات كثيرة يمر مرور البرق لا نكاد نتيقن من وقوعه إلا بعد أن يرحل من نحب، أو يدركوا أننا رحلنا.. غلالة الأرواح التي ذهبت قبلنا تحوم مثل ترانيم باهتة خلف النافذة" "
"مرت الشاحنة سريعة عند المنعطف. كان يجرّ درّاجته الهوائيّة القديمة، يكاد يعبر الشارع حين صدمته الشاحنة. وقع أرضًا. ندّت عنه صرخة خفيفة. عجلات الدرّاجة الهوائيّة ظلّت تدور بوهن بعد أن ارتمت على وجه الإسفلت. لم تتوقّف الشاحنة أكثَر من عشرين ثانية ثم واصل السائق اندفاعه في الشارع، كأنّ شيئًا لم يحدث. ثم كأنّه انعطف عند نهاية الشارع شرقًا إلى الضواحي المجاورة. مشهدٌ بسيط لكنّه حدث بتعقيد كبير
"
• 152 يوما على حرب الابادة والمٌقتلة حيث دراكولا مصمم على القتل والتجويع مشاهد دامية لا يمكن لنا ان ننساها ، دمرتنا جعلتنا كبارا في العمر لا مجال امامنا ، ربما يخبرنا الدكتور عاطف ابو سيف عن بعض مشاهد الدمار والوجع الغزاوي، فهو ابن القطاع وعاش بشوارعه وحاراته ما عاش من حاراته له العديد من المؤلفات بعضها رشح لجائزة البوكر 2015 مثل حياة معلقة ولم أقرء غيرها للكاتب .
• من اقواله عن مدينته غزة أنا مع غزة التي لم تشتكِ يوماً ضيق الحال ولا قسوة الجلاد ولا إهمال الأهل وذوي القربى... غزة التي هي المكان المرغوب في الوعي الجماعي، القادر دائماً على أن يعيد إنتاج الحكاية...". وضد غزة التي أرادوا أن يجعلوها "كياناً يختلف عن بقية الكيانات الفلسطينية"، أو أن يريدوا أن "تكون كل فلسطين، وأن تختصر القضية في نفسها". فغزة ليس الوطن لكي تدفع الثمن وحدها .
• اذن مع مشاة لا يعبرون الطريق الصادر عن الدار الاهلية بعدد صفحات 205 صفحة للعام 2019 حيث يمكن تلخيص الرواية في كلمات مفردة صغيرة موت وحياة وامل ، ليل ونهار ، صحافة وفساد ، اناس سائرون في دروبهم لا يفكرون في شيء فالجميع ضيوف على هذه الارض خلقوا لان الله اراد لهم الحياة لأعمار الارض ليس لهدمها .
• لوحة الغلاف بالرواية لها قصة مختلفة فهي للفنان الفلسطيني الغزي تيسير البطنجي تمثل اللوحة ارقام كأرقام جهاز حاسوب ربما لتعرفنا على كبسة الزر، ربما الحياة في غزة رقم فلا يهم ان تموت معروفا او مجهولا --- النهاية واحدة .
• شخصيات العمل الرئيسية هم فتاة متعلمة تحمل ثلاث كتب وصحفي لا يهتم بأحد الا بالسبق الصحفي ولو كان على اوجاع الناس وشرطي يريد ان يصبح بطل قومي عبر جريمة عادية و رجل ثمانيني صدمته سيارة فهو الراوي والمروي عنه البطل والا بطل بالإضافة الى المشاة الذين يظهرون من اجل اكمال الرواية
.
• اذا نحن في غزة ومخيماتها والتغيرات الاجتماعيّة، الاقتصادية والسياسيّة؛ الشرطي، مناضل سابق شارك في الانتفاضة وسُجن خمس سنوات انتهى به المطاف جالسا على كرسي بلاستيكي يتلقى الاوامر فقط ، وشخص اخر اصبح ثريا بفضل تجارة الانفاق التي مكنته من الاقتراب من صناع القرار ، فمصائب قوم عند قوم فوائد ، كيف لا والتهريب له بنود ايضا ولا ننسى ظاهرة الغلاء حيث ارتفع كل شيئ بما فيها أسعار العقارات والطعام ولم تعُد بمتناول أهل البلد، "صناعة" المؤسّسات المجتمعيّة الربحيّة التي تكاثرت ، والفساد سيّد الموقف.
• الرجل الآخر، زميل الثمانيني في غرفة المستشفى، شاخ دون رعاية العائلة؛ الابن البكر غادر غزّة قبل النكسة وحُرم من العودة فتغرّب إلى فنزويلا، الابن الثاني التحق بالعمل الفدائي وسُجن ثم نُفي ولم تسمح له إسرائيل بالعودة وبات يعيش في الخليج، الابن الثالث سافر ليتعلم في الدنمارك وصار طبيبًا يشار له بالبنان ولم يعُد، ولكلٍّ منهم أسبابه وتبريراته لعدم الرجوع، الابن الرابع يقبع منذ خمسة وعشرين سنة في سجون الاحتلال وشمعات عمره تحترق خلف القضبان، وما زال يحلم بلمّة العيلة!
• حاضر غزة هنا صعب حيث يطرح الكاتب هذا الطرح من خلال حديثه عما حصل بين الماضي والحاضر بين الحياة والموت، النكبة وعالم الغائبين وعلى الحاضر وعالم المخيم وغزّة التي تعاني من الحروب والانقسام ممّا جعل الغزيّ يبدّل حلم العودة بحلم السفر والهجرة عبر البحار، "هل يمكن أن نتقاتل على من يحرس البوابة للاحتلال؟ حلم معظم سكان القطاع أن يغادروا غزة، أن يبنوا حياتهم على أشجار خارجها، أن يؤسسوا حياة حديدة خلف سياج البيارة (غزة)، وراء الحدود، على الضفاف البعيدة للبحر"
• والوضع يسوء من سيئ إلى أسوأ؛ بعد أن صارت تجارة الأنفاق سرًّا مكشوفًا والانقسام واقعًا مألوفًا، والأمل طريقًا مسدودًا، أصبح الناس مشاة بلا طريق يعبرونها، جعلت الكاتب، ابن غزّة وأهله لاجئون من يافا، يتحسّر على تلك المشية، وعدم القدرة على عبور تلك الطريق، والثمانينيّ اليافوي ينتظر عبور طريق مغلق الأبواب، ينتهي به الأمر مغمى عليه، وحيدًا، على سرير في المستشفى، والكلّ حوله عاجزون عن مدّ يد العون ومساعدته، وشغلهم الشاغل البحث عن قاتل وهميّ يكون قد تسبّب بحادث طرق...أم لا؟ نعم، للموت طرق عدّة، كلها مفجعة.المخيم قد خرم الإبرة"، "الله يعطي الجوز لِلّي مالوش اسنان"، "الجَمَل ما بشوف عوجِةْ رَقْبَتُه" وغيرها.
• جاءت النهاية بريق أمل، هناك مشاة وهناك طريق فلماذا لا يعبرونها إل الهدف رغم وعورتها: "عادت سلوى. فتحت الباب. كانت عتمة تسحب عباءتها عن الغرفة. ترجّل ونهض عن السرير مثل شمس تشرق من بين تلال الغيوم. كأنّه كان ينتظرها، قبل أن تصل السرير، فتح عينيه وملأهما بحضورها في قلبه الثمانيني. عاد طفلًا يلهو في أزقّة يافا."
• ربما اراد الكاتب هنا أين يعطينا غزة كما راها وعرف تحوّلاتها في العقد الأخير. عنف الحصار الإسرائيلي، والحروب التي تعرضت لها اخرها الحرب الاخيرة وافقدتها العديد من ابنائها واخرجت مجموعة من العاطلين او المعاقين وغيرهم وسخرية الأقدار الفلسطينية التي جمعتكل ذلك الفساد والنهب والحصار والموت
• الرواية على ثلاثة مستويات حكائيه: الأول منها مأساوي الدلالة، قوامه يافوي قديم عشق "أيام البلاد"، وفصلته النكبة عن امرأة أخلص لها واحتفظ بذكراها إلى أن صدمته شاحنة مسرعة في غزة، وقد جاوز الثمانين وانتهى إلى مشفى.. جاءت مأساة اليافوي العجوز من انتظار طويل مغلق الأبواب، التبس بمدينة فلسطينية شهيرة حاكمها الانقسام. يُستكمل المأساة بسخرية ، مرجعه المكان الذي انتهى إليه
عجوز اجتاحه إغماء طويل "كوما"، وذلك المشفى الرسمي الذي يحيل على السلطة ويقول الشرطي فيه: "أنا الحكومة". يصدر الساخر من مفارقة الأقدار: اليافوي الثمانيني في "عداد الأموات"، والقائمون على مراقبته وعلاجه عاجزون ولا يقدرون على شيء، و"أنا الحكومة"، أي الشرطي، يسعى وراء "القاتل"، ولا يهمّه العجوز في شيء، ذلك أن في العثور على القاتل المفترض أو اختراعه، ما ينقذ هيبة الحكومة التي يمثّلها شرطي أجمع الناس جميعاً على تسخيفه، معني بإرضاء مسؤول أعلى وبمرتبه الشهري.
• " هكذا تعيش المدينة طرقها مفارقة فاجعة، هازلة، لأن المفارقة تعريفاً: مواجهة الضد بالضد. فالشرطي يبحث عن مجرم لا وجود له، والصحافي يلاحق معارف عجوز لا يعرفهم أحد، والدواء الذي يُعطى للعجوز لا ضرورة له، فقد سقط في الطريق إعياء وعجزاً، وخوفاً من صدمة قادمة، تعده بلقاء مستحيل مع يافاوية عشقها وواظب على عشقها، حتى أتلفته الحياة. لكأن في مآله رحمة لأن "سلوى" غائبة أبداً عن الأنظار، باستثناء عينيّ العجوز القريبتين من الانطفاء او الموت.
• راي قارئ : بأسلوب هزلي طرح الكاتب الوضع في غزة عبر سبق صحفي وشرطي سخيف يقول انا الحكومة ومستشفى ببناء ضخم فقير بالمعدات بسبب الحصار وابراج تبنى لعلية القوم وان حصل المواطن على شقة فيها عليه ان يدفع دمه ، وحالات فساد لا مجال للحديث عنها ومواطن اصبح سمك البحر ارحم من الارض اليابسة .
انها غزة التي لا تزال تعاني ما تعاني فمتى ينتهي البؤس يا غزة