مفيدٌ جدًّا، يعرض في عدد قليل نسبيًّا من الصفحات، الكثير من المعلومات القيّمة. أمّا أسلوب السّرد، فجاذبٌ،ممتع، ولطيف. يروي أهم المحطات في حياة الإمام الخمينيّ العلمية والسياسية والتي ما هي إلا نقطة في بحرٍ كبير. لعلّ الجزء المفضّل لدي كان ذاك الذي تحدّث عن الثورة الإسلاميّة، وقد زادني يقينًا بأن الشعب الإيرانيّ شعبٌ جبّار. وقد زادني يقينًا أيضا بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي دولة قامت على يد شعبها، وبأنّ ثورة حقيقيّة إنّما يقدّر لها أن تبصر النور وتنتصر بشرط توفّر ٣ عوامل: قائد حكيم، وشعبٌ جبّار مستعدّ للتضحية ويؤمن بقائده، وعشقٌ للشّهادة.
لقد كان سماحتُه تجلّيًا من تجلّيات "الكوثر". وإنّ كوثر الولاية متدفّقٌ أبدًا على مرّ العصور والأزمان. وستبقى حكايةُ هذا العبد الصالح خالدةً خلودَ الدهر.
ظنَّ الجميع أن رجلًا من خمين استطاع بالوقوف لوحده إيقاف الدول الاستعمارية الكبرى، وإسقاط الحكومة الدكتاتورية، وإقامة الجمهورية الإسلامية، وإلهام الشعوب المستضعفة والمظلومة، بَيد أن الساحة لم تكن تحملهُ وحده، إنما فيها إلى جانبه الحق الذي لا يُزاح ولا يُقهر، بل كان الحق في الساحة موجودًا منذ البداية وجاء الإمام الراحل ليكون صوتَه الذي يدكُّ العالم دكًّا.
ما السرُّ المقدّسُ للإمام الخميني؟! مضت العقود ورغم أن هذا السيد الجليل استوطن قلوب المحبين وعقول المبغضين، وغزا الشعوب الأمّية في الدول النامية قبل المتعلمة في الدول المتقدمة، وملأ بفكره مكاتب العلماء والعرفاء والفلاسفة والمفكرين والسياسيين، إلا أن جزءًا كبيرًا من قدره حتى هذه اللحظة مجهول.
إن دعوة الأنبياء منذ خلق البشر هي الدعوة إلى الحياة، وما زال كتاب الله يدعو أن {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ}، ونوّه حين قال {إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، وجاء الإمام الخميني لتحقيق هذه الدعوة في ظروفٍ راهنَ الجميعُ فيها على موت الأمّة، فنفخ في صور العالم نفخة الإسلام، حيث كان مستضعفو العالم -وهم الأغلبية- يصغون جيدًا لصوت الحق، فما كان منهم إلا أن تهافتوا ملبّين ونزلوا إلى ميادين الجهاد حفاةً ليكتبوا التاريخ بدمائهم ونورِ أسمائهم وطبعات خُطاهُم.
الأمر الذي عجز عن فعله الكثيرون وفعله السيد الإمام لم يكن تشكيل الحكومة الإسلامية فحسب، وإنما هو صنع الرجال الحقيقيين وإحياء الإنسانية التي كانت هي أساس الحكومة الإسلامية، السيد روح الله هو روحٌ فُنيت في الله حقًا، وكأني لا زلتُ أراها متوسطةً جماهير الشعوب بكل سكينتها، تشيرُ إلى الاتجاه الصحيح أينما كانت، في مشاهدٍ تضج بألوان الحياةِ في قلوبنا بينما هي ليست في أعيننا -نحنُ الذين لم نشهد تلك الانتفاضة- ملونةً بلونٍ غير سوادِ عمامته وبياضِ لحيته.
ذكرني الكتاب بالبرنامج الوثائقي "روح الله" الذي يتحدث عن حياة السيد الإمام منذ ولادته وحتى رحيله، وظننتُ عدة مرّاتٍ أنهما نَصٌّ واحد، أحدهما مسموعٌ والآخر مقروء، لكنني فضلتُ المقروء لثبات المعلومة منه في ذهني أكثر، وربما كانت مشاهدتي للوثائقي منذ مدة قصيرة هو ما ثبّت المعلومة عندما تكررت مقروءة، بل كانت بالفعل عاملًا مؤثرًا، لأن الكثير من الصور التي احتواها الكتاب كانت لديَّ عنها معلومات مسبقة، مما ساعد في ربطها بما أقرأ، وعلى هذا الأساس أقترحُ الجمعَ بينهما -الكتاب والوثائقي- واحدًا تلو الآخر أيًّا كان الترتيب، فالكتاب يمثل مرجعًا مهمًّا سهل العودة إليه، والوثائقي يمنح المَشاهد تأثيرًا من نوعٍ آخر.
هنا حديث الانطلاق، وما أحلاهُ رغم كثرة الجروح فيه وشدة آلامه، حديثٌ حملهُ قلبُ رجلٍ واحدٍ عن الجميع وما أثقل ما حمل، ورغم أن الكتاب أنهاهُ بصور تابوت هذا الرجل العظيم والجموع المليونية المتحلّقة حوله، إلا أنهُ يبقى (حديثًا للانطلاق)، والثورةُ في الشعوب على إثرهِ مستمرّة.
لم تذب القلوبُ في حبه فحسب، بل وحتى الكلمات، إذ ما الذي يمكن أن تقولَه في حقِّ الخميني العظيم لتفيَه؟ لا شيء.
وُلدنا خمينيين، رَبينا على نهجه وحبه رغم أنَّنا لم نره ولم نعش أيامه، وما عرفنا منه سوى اسمه وصورته، وميَّزنا ببراءة طفولتنا سيماء المؤمنين في وجهه، فأحببناه وتعلقنا به أكثر، وشيئًا فشيئًا عرفناه قائدًا، معلِّمًا، ملهمًا، ومزلزلًا لأركان قوى الاستكبار العظمى.
أول ما قرأته عن الإمام الخميني كان كتاب العبد الصالح، والذي يحكي فيه الإمام الخامنئي عن الإمام الخميني، فيريكَ العارفَ بعينِ عارفٍ آخر. وقرأت في العام الماضي كتابًا تضمن قبساتٍ من حياته، لكنَّ هذا الكتاب -أي حديث الانطلاق- هو الأثرى من بين ما قرأت، وحسب اطلاعي البسيط على ما كُتب في سيرةِ وحياة الإمام الخميني، لا أظنَّ أنَّ كتابًا آخر سيكون بشمولية ووضوح واختصار حديث الانطلاق.
تطرق المؤلف إلى أهم محطات الإمام الخميني بدءًا من ولادته وحتى رحيله في حزيران ١٩٨٩، لم يوجز الحديث عنها كما في بعض الكتب ووسائل المعرفة الأخرى، بل عرض جزءًا كبيرًا -وهو الأهم- من الصورة بوضوح تام، تكاد تشعر معه أنَّ شيئًا لم يفتك، لولا أنَّه -الكاتب- يصرح باختصاره بما يتناسب مع طبيعة الكتاب.
ترتبت فصول الكتاب تاريخيًّا، ومع أنَّ بعض الأحداث المتأخرة ذُكرت في الفصول المتقدمة فأربكت المخطط الزمني المرسوم في ذهني، إلا أنَّ الترتيب كان موفقًا بصورةٍ عامة.
أحببتُه، رغم عزوفي -في الغالب- عن القراءة في التاريخ لأنها ليست وسيلتي المفضلة للغوص في قضاياه، فنمط تعلمي البصري يحتاج للصور بنسبةٍ أكبر، ورغم احتواء الكتاب على ألبومٍ من الصور التي توزعت بين الفقرة والأخرى، إلا أن عدم تذييلها بتوضيح محتواها أزعجني.
لمّا زرتُ مرقده الطاهر قبل شهرٍ ونصف تقريبًا، كان دعائي أن اللهم ارزقني من بصيرتِه، وأثناء قراءتي للكتاب، لم يزل هذا الدعاء يتردد في داخلي. "فأيُّ حرٍّ اطلع على حياة الإمام الخميني وبياناته ثم لم يسلم قلبه طواعية للسير على نهجه، ولم ينتفض بوجه هذا النظام الحاكم على هذا العالم؟"
●يسرد الكاتب سيرة الإمام الخميني منذ نشأته وحتى وفاته، متتبعًا مواقفه السياسية والفكرية وتأثيره في الثورة الإسلامية الإيرانية. ويعرض بتفصيل دقيق مواقف الإمام تجاه القضايا الكبرى، مثل مقاومته لنظام الشاه، ودعوته لتأسيس حكومة إسلامية، ودوره في الثورة الإسلامية الإيرانية.
☆أعجبني في الكتاب أن الكاتب لم يكتفي بسرد الأحداث، بل قَدم رؤية متكاملة عن فكر الإمام ودوره في التحولات السياسية. أسلوب الكاتب في السرد واضح مما جعل القراءة ممتعة.