هذا الكتاب عن فكرة " التحديث" وكيف نظر إليها المؤرخ العثماني " جودت باشا" ، فهي رؤية رجل عثماني من عهد التنظيمات حول حدثين مهمين وهما: " الثورة الفرنسية" و " الحملة الفرنسية على مصر"، باعتبارهما من أهم المرتكزات لفكرة التحديث في عالمنا الإسلامي، ورغم أن جودت باشا من الإصلاحيين العثمانيين فهو لم يرى في هذين الحدثين أي رؤية جيدة يمكن الأخذ بها في نهوض الدولة العثمانية، بل عقلية جودت باشا هي عقلية رجل مسلم في الأخذ بأسباب النهوض؛ لذلك عارض فكرة الدستور المشرب بالثقافة الفرنسية، ومع ذلك يبدو مما نقله هذا الكتاب هنا وجود اطلاع واسع لدى جودت باشا على التاريخ الأوروبي ولاسيما الفرنسي منه، مع ملاحظة " وجدا سندسنى" ضعف اطلاعه على تاريخ الثورة الأمريكية مقارنة بالثورة الفرنسية، وأن سهام نقده القوية التي وجهها للثورة الفرنسية لم يوجهها للثورة الأمريكية، وقد علل الكتاب هذا الأمر كون الثورة الفرنسية كانت هي الملهمة لبعض الشباب الأتراك الثائر على العثمانيين.
يرصد الكتاب وجهة نظر جودت باشا عن الثورة الفرنسية من وجهة نظره كعالم دين عثمنلي، فهو لا يحب الثورة الفرنسية ولا يُشفق على الثوار، وهذا قد يكون طبيعيًا ومفهومًا لما أورده بالتفصيل عن حالة الإرهاب الثوري وما فعله اليعقوبيون برئاسة " روبسبير"، كما أن هذه الصورة المريعة التي يُعطيها عن الثورة الفرنسية كما تقول الباحثة هنا تهدف إلى شغل تفكير المفكرين العثمانيين المعجبين بهذا النموذج، وهذا شيء مفهوم، لكن ما أتعجب له هو ذلك التعاطف العجيب من جودت باشا مع الملك الفرنسي لويس السادس عشر رغم معرفة جودت باشا بفساده وظلمه! على كل حال هو كعالم دين رفض الثورة لما صاحبها من إنحطاط أخلاقي وإرهاب وفصل الدين عن الدولة .
كرجل سياسة تأتي رؤية جودت باشا في تمييزه بين الناس الأمناء الشرفاء وبين الرعاع المحتقرين، وهو لا يخفي إعجابه بالملكية الدستورية فيما نقله لنا هذا الكتاب، ومع ذلك ينقد الدستور الفرنسي لأنه يحرم الملك من كل سلطة، وربما كان يخشى تداول مثل هذه الفكرة بين المفكرين العثمانيين، وهو يرى أن إقامة العلمانية لم تكن إرادة الشعب الفرنسي بل إرادة الجمعية الوطنية ( البرلمان) الفرنسية.
أما رؤية جودت باشا للحملة الفرنسية على مصر، فهو يرى أنها تدعيم لمشروع قديم وخيانة من فرنسا لصداقة الدولة العلية، قام جودت بوصف عملية الاستيلاء على الإسكندرية بكل دقة، ويرى أن بونابرت لم يتقرب إلى المصريين إلا بعد تدمير أسطوله في " أبي قير"، ثم يحمل على المشايخ الذين انخرطوا في ديوان الفرنسيس ويتهمهم بأنهم يعملون لمصالحهم، وهو اتهام فيه كبير تحامل، ولمحمد جلال كشك دفاع مهم عن هؤلاء المشايخ في كتابه" ودخلت الخيل الأزهر" فقد أوضح الفرق بين التعامل مع السلطة المُغتصِبة وبين التعامل لحساب هذه السلطة، وأنه في بعض الأحيان يستحيل تجاهل السلطة.
ابتعد جودت عن الإعجاب الذي أبداه الجبرتي تجاه الفرنسيين كما يقول الكتاب، فجودت كان يرى أنهم ارتكبوا كثيرًا من الأعمال الوحشية بإسم الحضارة، فهو يُدين التعذيب الغير محتمل الذي تعرض له سليمان الحلبي، فهو أدان العدالة الفرنسية من خلال إدانته لقضاة قاتل كليبر، ومع ذلك لم تكن كل رؤى جودت سلبية، بل أبدى إعجابه بنظام الجيش الفرنسي وإن سدد له النقد على وحشيته ومذابحه في البلدان العربية.
فهذا الكتاب يلاشك مهم في كونه يحمل رؤية مؤرخ عثماني تجاه الصدمة الحداثية، والحقيقة أن جودت لم يفقد توازنه أمام هذه الصدمة، بل الحقيقة أنه كان قادرًا وبشكل مدهش على رؤية ذلك الجزء البشع في الحداثة الأوروبية قبل ظهور نقاد الحداثة في العصر الحديث، كان جودت معتزًا بهويته الدينية وانتماءه العثماني، فتجده يقول أنه بينما بنى سليمان القانوني مصحة للمجانين في إسطنبول كانت أوروبا ترى في المجنون شخص تسلَط الشيطان عليه(!!) كان جودت يدرك أن جهل الأوروبيين لم يتلاش مع بداية عصر النهضة كما يعتقد الحداثيون الآن، فحتى القرن السادس عشر لم تكن العلوم قد تطورت في أوروبا مقارنة بالدولة العثمانية، الكتاب بلاشك جدير بالمطالعة والقراءة .