المحلِّـلُ النفسيُّ للأدب لم يَعد، اليوم، يتقدَّم باعتباره يملك تلك المعرفة الجاهزة الخاصة التي تفهم في كلّ شيءٍ، بل إنه يمنح الفرصة للأعمال الأدبيّة من أجل أن تحاورَه، وأن تسائلَ معرفته النفسانية الجامدة؛ ذلك لأن الأدب هو الذي بإمكانه، بتعبير جاك لاكان، أن يُرسل هواءً جديداً إلى التحليل النفسي، وليس العكس. ولهذا ينتقد الناقد النفسي المعاصر بيير بيار هذا التمثُّلَ الذي يقود التحليلَ النفسيَّ إلى استنزاف الأدب، وذلك عندما يحصر الناقدُ النفسيُّ دورَ هذا الأخير في دورٍ ثانويٍّ: أن يؤكِّد، إلى ما لانهاية، صحةَ ما تقوله النظرياتُ النفسانية.. وهكذا، فلا شيء يمنع من أن نعود إلى نصٍّ أدبيٍّ اشتغل به محلِّلٌ نفسانيٌّ سابقٌ، وأن نكتشف فيه حقيقةً غير التي ادَّعاها السابقون؛ إذ بهذا نحافظ، للأدب، على طبيعته الجوهرية: أنه قابلٌ للتأويل باستمرار؛ وعلى سبيل التمثيل: يكفي أن نستحضر مسرحية شكسبير «هاملت»، لِـنَـكتشفَ أن «هاملت» فرويد ليس هو «هاملت» لاكان... وأنه إذا كانت أعمال سوفوكل وراء حديث فرويد عن «تراجيديا المصير»، فإن أعمال شكسبير قد كانت وراء حديث لاكان عن «تراجيديا الرغبة»..
تحدثت من قبل عن هذا الكتاب بشكل سريع، والآن سأفعل بشكل مفصل. الأدب والتحليل النفسي هو الكتاب المصاحب للعدد 142 من مجلة الدوحة. ظننت في البداية أن اختيار الكتاب لم يكن موفقًا لما يحتويه من اقتباسات كاملة بالفرنسية دون إرفاق الترجمة؛ ذلك أنه مناسب جدًا للشعب المغربي -الذي ينتمي إليه حسن المودن- والذي يتقن أغلبه الفرنسية، مع ذلك، ظننت أن الكتاب ثروة لمن يفهم الفرنسية؛ ذلك أن إرفاق تلك الاقتباسات كان مهمًا (ولم يرفق المؤلف اقتباسًا غير مهم على مدار الكتاب بالمناسبة)، ثم تراجعت عن رأيي بشأن اختيار الكتاب؛ فإن استثنينا بعض المقاطع لغير متحدثي الفرنسية، سيفيدهم ما يقع بين دفتي الكتاب سواها.
كانت لي تعليقات عديدة ومغايرة بشأن أسلوب الكاتب وما يرد في الكتاب؛ لذا سأتحدث عن كل ما كتب حوله المؤلف على حدة.
في البداية، تدور المقدمة حول فرويد وتأسيسه لعلم النفس، ثم يأتي الحديث عن العلاقة بين فرويد وسوسير ولاكان، وفي هذا الجزء بالذات، شعرت بالغباء، أو بأن المؤلف نفسه لا يفهم ما يكتب، ثم يأتي الحديث عن رولان بارت. من المعروف أن رولان بارت عارض فرويد فيما يخص غير قليل من أفكاره، وهو ما كتب عنه المودن، ولكنه لم يتصف في هذا الفصل بحيادية الكاتب التي يتخذها عند الإقدام على أية دراسة، فانحاز لفرويد، وجعل يبرر لبارت عدم اتفاقه معه -انطلاقًا من الاقتناع بأن رولان بارت على خطأ وسيغموند فرويد على صواب- بالحديث عن أموره العائلية ومشاكله النفسية. والحق أن انحياز الكاتب لفرويد يتضح حتى الصفحة الأخيرة، وهنا مأخذ عليه؛ حيث أن وظيفة الكاتب هي عرض أفكار وحقائق عند الحديث عن أمر مشابه وليس التحيز. بعد ذلك يحدثنا عن جان بيلمان نويل واللاوعي؛ لاوعي النص ولا وعي القاريء. كان إرفاق المصادر والأفكار نصًا عن نويل وبعض دارسيه أمرًا جيدًا، ولكن القاريء بحاجة للبحث فيما يخص ما تم إرفاقه وفهمه بنفسه؛ حيث لم يشرح الكاتب الكثير حيال الأمر كما فعل في فصول أخرى.
في الفصل الثاني، يكتب الكاتب عن كوارث الترجمة؛ خاصةً تلك الناتجة عن ترجمة لكتاب يأتي في لغة أخرى غير لغته الأصلية، بمعنى أن يُترجم كتاب عن الفرنسية للإنجليزية ثم عن الإنجليزية للعربية مثلًا. أقول كارثة لأن اللغات تتحور وتتغير؛ خاصةً حين تتغير المعاني المترجمة عن المعنى المقصود في اللغة الأصلية للكتاب. يقول الكاتب أن ترجمة فرويد مهمة بلا حدود، وترجمة لاكان مهمة مستحيلة. فيما يخص فرويد، فالأمر -كما أسلفت- ناتج عن اختلال أو اختلاف فكرة ما في الكتاب الأصلي عند ترجمته للغة أخرى، أما لاكان، فلأن أغلب كتبه مأخوذة عن أحاديثه، وبالتالي فقد أغفلت لغة الجسد وتعابير الوجه، وقد يخطيء حينها قاريء لاكان حين لا يميز مواضع سخريته -التي تغلب على أحاديثه- وحديثه الجدي. ابتداء من هذا الفصل، بدأ أرتبط أكثر بالكتاب وأفكاره وأفهم تمامًا ما يرد به.
في الفصل الثالث، يربط المؤلف التحليل النفسي بالأدب، متخذًا من بورخيس نموذجًا مذهلًا للحديث حول الأمر، وفي نهاية الفصل يأتي الحديث عن بيير بيار وأفكاره حول إمكانية تطبيق الأدب على التحليل النفسي كما يطبق التحليل النفسي على الأدب. لن أتحدث كثيرًا عن الأمر لأنني على اقتناع بأن كل شخص في العالم عليه قراءته فحسب.
بالفصل الرابع فكرتان رئيستان؛ أولهما أن عالم الرواية يمتد لما وراء الحدود التي يضعها له مؤلفه؛ وهذا ما يثبته بيار عند إعادة تحقيقه في العديد من الروايات البوليسية، وكشف خطأ مؤلفيها في تحديد المجرم الأصلي، متخذًا من الأمر نقطة انطلاق لتوضيح أن القاريء ليس عليه أن يقبل فحسب ما يقع في الرواية، وإنما إعمال عقله والتحقيق بنفسه، وترد في الكتاب أمثلة على ذلك. الفكرة الثانية تتضمن بعض الدراسات التي قامت حول أماكن لم يزرها أصحاب هذه الدراسات، وكيف يمكن للعالم -بسهولة- أن ينخدع فيما يخص الحديث عن المكان والقراءة عنه حين يقطن بنفسه في المكان لفترة، وأورد المودن الأمثلة.
دارت الخاتمة، كما المقدمة، حول فرويد، وكونه لا يزال حيًا، وذكر لبعض الأعمال الأدبية التي تشارك فيها شخصية سيغموند فرويد، وبعض أهدافه فيما يخص كتاباته ودراساته وأفكاره.
من الواضح، بعد هذا الحديث، أن رأيي ينقسم حول الكتاب؛ فلم أحفل بما تم تقديمه حتى نهاية الفصل الأول، ثم سار الأمر بعد ذلك على نحو مغاير. في العموم، هو كتاب جيد جدًا.
الأدب و التحليل النفسي. للناقد المغربي حسن المودن. أطروحة الكتيب المركزية هو تلك العلاقة الجدلية (التعالق لألحق بركب المابعد حداثة) بين الأدب و التحليل النفسي. لم تعد هذه العلاقة تخضع لهيمنة التحليل النفسي الذي يتخذ من الأدب ميدانا تجريبيا لاثبات صدق نظريات التحليل النفسي. بل أن الأدب، بحكم قوة تعدد التأويل هو ما يسمح بنفخ الروح مرة تلو الأخرى في أعمال المحللين النفسيين. لهذا، يستنطق حسن المودن إرث فرويد، يونغ، دو سوسيير، بيير بيار، لاكان، رولان بارت، ثم يأخذ الكتاب بتناول مواضيع أقرب إلى القارئ العربي العادي بالوصول إلى الفصلين الأخيرين الثالث و الرابع. إذ يفارق التنظير الجاف ليعبر بنا نحو التطبيق العملي على أعمال بورخيس و الرواية البوليسية.
وقعت كذلك على مقال أجده مفيدا لمرافقة الكتاب و هو لحسن المودن نفسه على مجلة الفيصل يناقش فيه نفس محتوى الفصل الثالث: هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟ هذا نصه: https://cutt.ly/ChP4Kmc
في الكتاب العظيم للمبدع المغربي العربي الأستاذ الدكتور حسن المودن الذي شرفت بالتعرف علي أعماله الفكرية من خلال العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد حسن غانم رئيس قسم علم النفس الأسبق بكلية الآداب بجامعة حلوان لعدة دورات من خلال مادة التحليل النفسي للأدب في الماجستير . يخوض بنا د.حسن المودن في غمار التحليل النفسي و الأدب من خلال أربعة فصول : الفصل الأول : العودة لفرويد و يعرفنا من خلاله عن العلاقة بين فرويد و سوسير و لاكان ، و رولان بارت الفرويد البحر الآخر ، و چان بليمان نوبل الفصل الثاني : فرويد و لاكان و سؤال الترجمة الفصل الثالث : نحو تطبيق الأدب علي التحليل النفسي الفصل الرابع : معني أن يكون النقد محكياً نظرياً خاتمة : هل نعود من جديد إلي فرويد بكل أمانة هذا الكتاب و كل أعمال عالمنا الجليل المغربي أ.د حسن المودن أعمال إلزامية أساسية لعشاق علم النفس و الأدب و التحليل النفسي و بخاصة المتخصصين فيه و هو عمل منير للأفاهم يقود للوعي بما في بطون و أعماق و ما وراء الكلمات كي نصل إلى واحات الفهم و الوعي و الأستبصار بكل أمان و سلام . طابت أيامكم تمنياتي بقراءة ممتعة واعية تحياتي حجازي بدر الدين
أحلى ما في الكتاب اتفاقه على أن: لا شيء يمكن أن يُقال خارج اللغة، وأن لغة الأدب هي الأقدر على النفاذ إلى ما يتعذر النفاذ إليه..❤️ وأن العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي أكثر تداخلًا وتعقيدًا مما نتصور، وربما لسبب بسيط وأساس هو أنهما يمثلان، معًا.. أرض غرائزنا وأحلامنا، أسرارنا ورغائبنا، جراحاتنا وآلامنا الدفينة، وحميميتنا السرية❤️
كتاب يمكن قراءته لغير المتخصص في المجال، كما أنه ممتع لا تشعر بالملل عند قراءته، خصوصا إذا كنت ملما بالأدب، قارئ مجدا للروايات! يتحدث الكتاب أساسا عن فرويد، كأب للتحليل النفسي، ثم يعرض أراء مختلفة ونقاد أخرين، أمثال جان لاكان، وبورخيس، بير بيار.... انصح بقراءته، للراغب أن يطلع على جانب أخر من الروايات، وهو التحليل النفسي لشخصياتها!
.كنت مستنية أشوف نماذج من نصوص أدبية وتفسير علاقتها بالتحليل النفسى .لكن الكتاب كان بيتكلم أكتر عن التحليل النفسي، والجنس، واللغة واللاوعى، والنص والقارئ، مِن غير نماذج ."الكتاب مش بطَّال، خصوصًا الفصل الثالث: "أن يقرأ الإنسان نفسه بنفسه"، والفصل الخامس: "قراءة الكاتب الإنسان
الفكر هو الذى يمنع الفعل وهو الذى يجعل الشقاء يدوم طويلًا .
................................
عدد مجلة الدوحة 142
كتاب الأدب والتحليل النفسى
.............................
فرويد لا يزال حيا يرزق فى ارض الكتابة والتخييل تلك الأرض التى اختار مبكرًا أن تكون مسكنه الأبدى .
................................................
فرويد واحد من قلائل قلبوا العالم والعلم رأسًا على عقب رؤية نفسية أثرت وتأثر بها الكثير فى كل المجالات وبالأخص المجال الأدبى تأثير فرويد والتحليل النفسى على الأدب أو العكس هو محور الكتاب .
..................................
كتاب بطراز أكاديمى ممل وفى النهاية أنقل :
" لغة الأدب هى الأقدر على النفاذ إلى ما يتعذر النفاذ إليه ".