اعتمد المؤلف في هذا الكتاب منطق الكتابة التاريخية المفتوحة، وسعى إلى دراسة علاقات المغرب بأوروبا في المدى الطويل من خلال رحلات بعض السفراء المغاربة ما بين 1610م و 1922م، وذلك دون إغفاله لظرفيات كل رحلة على حدة.
يحكي هؤلاء السفراء في رحلاتهم أخبارا وأحداثا، ويتحدثون عن ظواهر كانوا شهودا عليها. وقد تجاوز السفراء المغاربة في رحلاتهم الكلام عن أنفسهم واهتموا بأبعاد أوربية، فتتبعوا المؤسسات المتنوعة، ودققوا في الكلام عن أوروبا الحوار، وعن أوروبا البناء الاقتصادي والسياسي، ثم ألحوا على أوروبا القوة، أوروبا المتخذة لكل المبادرات والناهبة لخيرات البلاد الأخرى، وأوضحوا أن هذه القارة لم تكتف بهذا الحد، بل سيطرت على المغرب واستعمرته، وانطلقت في طمس معالمه. ولأجل هذا طالبوا بالحذر وباليقظة.
تبتدىء هذه السفارات المغربية إلى أوروبا برحلة أبي القاسم الحجري سنة 1610م إلى كل من فرنسا والعمالات المتحدة، وتنتهي بسفر عبدالسلام السايح إلى باريس عام 1922م. وقد بينت رحلة أبي القاسم الحجري الأولى الجو العام الذي كان يطبع العلاقات الدولية خلال الربع الأخير من القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر. وتميزت الوضعية خلال هذه المدة - كما يقول المؤلف - بالمواجهات الإسبانية التركية في البحر الأبيض المتوسط. وجسدت الإمبراطورية العثمانية تطلعات الأمة الإسلامية وآمالها شرقا وغربا. وأظهر الحجري الآمال التي عقدتها الطائفة الموريسكية على العثمانيين من اجل التخفيف من محنتهم.
ومن بعد الحجري جاء سفراء آخرون، ذكر المؤلف منهم : أحمد بن المهدي الغزال، ومحمد بن عثمان المكناسي، وابن إدريس العمراوي، وإدريس بن محمد الجعايدي، وأبو العباس محمد بن عبدالقادر الكردودي.. وقد جاءت تقاييد هؤلاء السفراء مشحونة بالأحكام المسبقة ومتخذة لأساليب المفاضلة والإقناع، وعبرت بطرق مختلفة عن وجود تعارض حضاري واضح فيما بين (الأنا) الإسلامي و (الآخر) المسيحي. لكن بالرغم من هذا التباين، فقد خلقت الحضارتان المعنيتان أساليب أخرى للحوار والتفاوض من أجل تجاوز مصادر التوتر. وما أرسل السلاطين هؤلاء السفراء إلى أوروبا إلا للبحث عن وسائل وضوابط للتعاون والتفاهم.
ويبدو من خلال تقاييد هؤلاء السفراء المغاربة أنهم اهتموا كثيرا بتدوين ما رأوه في أوروبا من أسباب النهضة والتقدم. وأدى بهم ذلك إلى الإنتباه والتركيز على القواعد التي كان يبنى عليها اقتصاد أوروبا في الفلاحة والصناعة والتجارة. وكأنوا يأسفون ويتأسفون جهرا، وأحيانا سرا على عدم قدرة المغرب على مسايرة النمو الأوروبي. ونلمس حسرة هؤلاء السفراء من خلال الأساليب التي اعتمدوها في كتابتهم، كل واحد بطريقته الخاصة.
كتاب تاريخي مهم، يوثق لفترة انطلاق أوروبا نحو آفاق التقدم في جميع المجالات، في مقابل تسجل هذه الفترة تراجعا كبيرا على كل المستويات في المغرب وسائر بلاد المسلمين.