مقدمة المترجم كتبت هذه الورقة -التي نقدم ترجمتها العربية اليوم تحت عنوان "إسرائيل: حول الطبيعة الطبقية للدولة الصهيونية"- بين عامي 1970، و1971، ونشرت ﻷول مرة في الدورية اليسارية البريطانية الشهيرة "نيو ليفت ريفيو New Left Review" في عدد يناير-فبراير 1971 بعنوان "الطبيعة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي"، وأعيد نشرها منذ ذلك الحين مرات عدة، سواء منفردة أو ضمن تجميع ﻷوراق وبيانات صدرت عن "المنظمة الاشتراكية اﻹسرائيلية" (ماتزبن). ومن بين هذه الأوراق والبيانات، كانت "الطبيعة الطبقية للمجتمع اﻹسرائيلي" اﻷكثر شهرة ونالت القسط اﻷكبر من اﻹشارة إليها والاقتباس منها (Machover 2012 & 2015). ويتناقض الاهتمام الواضح بهذه الورقة، والمستمر حتى يومنا هذا، مع قدمها، وأهم من ذلك مع كونها "النص الوحيد الذي تجاوزه الزمن بشكل
كتاب عبارة عن ورقة بحثية لثلاثة باحثين "اسرئيليين" هم حاييم هانجبي ، موشي ماشوفر ، أكيفا أور، نشرت لأول مرة في سنة ١٩٧١ بعنوان "The Class Nature of Israeli Socity"، قام بترجمتها والتقديم لها اليساري المصري تامر موافي، الذي ضمن الكتاب المعنون ب "اسرائيل حول الطبيعة الطبقية للدولة الصهيونية " مقدمته المكونة من ٣٥ صفحة والتي تعد تحليلا لمحتوى الورقة البحثية وعرضا لاستنتاجات المترجم في سياق معطيات العصر الحالي، حيث نشرت الترجمة العربية للورقة المذكورة والمقدمة، في سنة ٢٠١٧.
بداية يجدر توضيح - للأهمية - مواقف مؤلفي هذه الورقة التي تلت نشرها وهي على النحو التالي: *حاييم حانجبي انتهى به الأمر الى الانتقال الى اليمين الصهيوني وتأييد انتخاب شارون. *أكيفا أور: انتهى الى العمل ضمن اطار اليسار الصهيوني التقليدي مع بعض الانتقادات للممارسات الصهيونية. *موشي ماشوفر: انتقل الى لندن وواصل عمله الفكري اليساري المعادي للصهيونية.
نأتي لمحتوى الورقة التي قدمها المؤلفون الثلاثة ممثلين عن حزبهم اليساري "الإسرائيلي" المسمى بالمنظمة الاشتراكية "الاسرائيلية" (أو ماتزبن)، الذي تجدر مقاربته عبر سياقين، السياق التاريخي، والسياق التراكمي الحركي.
أما السياق التاريخي، فيبين لنا المؤلفون عبر تحليل المجتمع الإسرائيلي - في حينه - ومفاعيل تشكله، أهم سمات ذلك المجتمع الذي نشأ عبر الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، ودور تلك السمات ذات الخصوصية في تقويض الصراع الطبقي الثوري داخل "اسرائيل" أو/و تحجميه. منها للذكر لا الحصر، التمويل الخارجي الضخم الذي كان يتلقاه الاحتلال من القوى الإمبريالية الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية "اعانات" وألمانيا الغربية "تعويضات" وفرنسا "تسليح" وغيرها) مقارنة بناتج الاقتصاد المحلي، ودور الكيانات الصهيونية الكبرى (الهستدروت، جهاز الدولة البيروقراطي، الوكالة اليهودية وغيرها) في توظيف وتوزيع تلك الأموال في شكل اعانات واستثمارات موجهة لخدمة هدف دمج الوافدين الصهاينة لأرض فلسطين المحتلة في المجتمع الصهيوني وضمان هيمنة الأيديولوجية الصهيونية الفاشية، وهنا أختلف مع المؤلفين في اطلاقهم صفة "اليسار" على حزب العمل الاسرائيلي، الهستدروت وغيرها من الكيانات التي تم اسباغ الصبغة اليسارية عليها بحكم ميول تلك الأحزاب والتنظيمات الى السياسات الاشتراكية، علما بأن الاشتراكية وحدها كمقاربة لا تعني تبني الرؤية اليسارية الثورية، فكل من الحزب النازي في ألمانيا والحزبين الفاشيين في إيطاليا وإسبانيا تبنوا مقاربات اشتراكية ضمن السياق القومي اليميني العنصري (السياق الفاشي) وهذا هو تحديدا ما عكسته وتمثلت به الحركة الصهيونية وتنظيماتها "الإشتراكية" اليمينية الفاشية.
وهنا يفيد الاطلاع، من هذه المقاربة، في فهم ظروف نشأة الكيان الصهيوني وتشكله ضمن السياق التاريخي وبالتالي استحضار فهم أعمق عند تحليل النموذج الصهيوني المتطرف اليميني الديني الحالي، الذي يقود آلة التدمير الصهيونية التي يمثلها كيان استعماري استيطاني احلالي نووي (أي يمتلك الأسلحة النووية)، ذو اقتصاد كبير حجما مقارنتا بما كان عليه قبل ثلاث أو أربع عقود، اقتصاد لا تشكل فيه الاعانات الخارجية (على صخامتها) نسبة وازنة، اقتصاد مبني أساسا حول الصناعة التكنولوجية الحربية والتجسس السيبراني ومجالات أخرى، اقتصاد استغل العمالة الفلسطينية الرخيصة أسوأ استغلال (بعد أن كان يرفض تشغيلها ويؤثر حصر العمل في العمال اليهود)، لتصبح أهمية الدعم الخارجي تكمن بشكل رئيسي في الجانب النوعي (دعم استخبارات وتسليح متقدم)، سياسي (عبر توفير الغطاء السياسي والشرعية الدولية للكيان حمايته من المحاسبة على الجرائم التي ارتكبها والتي سيرتكبها في المستقبل) ودعم معنوى بنشر السردية الصهيونية عالميا بالترغيب، والترهيب والتجهيل، عبر آلة البروباغندا والترفيه الغربية الضخمة.
ويتمثل السياق التراكمي الحركي (بجوانبه السياسية، الاجتماعية والاقتصادية)، في الديناميكيات المهيمنة على المجتمع الاسرائيلي، ضمن آليات الصراع الطبقي، الصراع الهوياتي والسياقات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الأوسع وصولا الى تقديم رؤية متجاوزة للإثنية والحدود الجغرافية لحل كل من المسألة الفلسطينية والصراع الطبقي في اسرائيل.
وهنا يشير المؤلفون بداية إلى التوظيف الإمبريالية للكيان الصهيوني، كرأس حربة مغروس في خاصرة الشرق الأدنى (الأوسط) لضمان استدامة مصالح قوى الإمبريالية الغرببة الناتجة من اخضاع شعوب المنطقة، استغلال موادها وضمان تبعية دول المنطقة السياسية لها، أو كما أطلق عليها المؤلفون، حين وصفوا "اسرائيل" بكلب حراسة المصالح الإمبريالية".
وبأنه ضمن سياق الاستيطان والهجرات المتعاقبة لليهود من مختلف أنحاء العالم بثقافاتهم وأعراقهم المختلفة، وكون الكيان الصهيوني يشكل مجموعة وظيفية تابعة للإمبريالية الغربية كشرط لبقائها، وفي ظل هيمنة الأيديولوجية الفاشية الصهيونية على كل ما سواها (على الجانب المذهبي، الانتماء الطبقي وغيرها من الهويات الفرعية) سيتعذر تثوير اليسار "الاسرائيلي" (العمال اليهود، عرب ٤٨ وغيرهم) وتحفيزه لتغيير الواقع المزري في ظل انقسام إثني وهوياتي حاد وفي ظل دور امبريالي يفترض وجود صراعا وجودي مع عدو دائم يجسده عرب فلسطين والشعوب العربية.
أما الحل الذي يطرحه المؤلفون، وهو حل ذو طبيعة طبقية متجاوزة للانتماءات الهوياتية الجغرفية بشكل غير مسبوق عموما، ويعد راديكاليا بالنسبة للعرب كما هو للاسرائيليين، يشرحه تامر موافي في مقدمته كالتالي: "تتبلور رؤية إقليمية واسعة للصراع. فقبل أي شيء أصر أعضاء ماتزبن على "السياق الإقليمي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فنتيجة للطبائع الخاصة للاستعمار الصهيوني، كان توازن القوى مائلا بشدة لصالح إسرائيل (مدعومة براعيها الاستعماري) وضد الشعب الفلسطيني. ويمكن أن يعالج عدم التوازن هذا ويصبح التحرر الفلسطيني ممكنا فقط، كجزء من تحول ثوري للمنطقة، تحدثه ثورة عربية تقودها الطبقة العاملة تطيح بالأنظمة القمعية، وتوحد الشرق العربي، وتضع للهيمنة الإمبريالية عليه"." ص٢٦ وينتهي الأمر بأن يكون اليسار الثوري "الإسرائيلي جزءا مكملا ومتاجنسا مع البديسار الثوري العربي في مواجهة كل من الصهيونية، التيارات اليمينية العربية، والأهم في مواجهة أطماع الإمبريالية.
مآخذي على الكتاب جاءت على أكثر من مستوى، أولها تهافت فكرة اليسار "الاسرائيلي" الذي يعد اليوم - في أحسن الأحوال - نسخة "صهيونية" مما يعرف باليسار الغربي، وهو في جوهره مجموعة ليبرالية منضوية تحت جناح الإمبريالية الرأسمالية وسياساتها في اضطهاد واستغلال شعوب العالم (شعوب دول الأطراف)، "يسار" صوري - أداتي للإمبريالية وأهدافها - متفذلك، منحاز للأجندة الإمبريالية الغربية والمصالح القومية الغربية وللسردية الغربية الاستعلائية والسياسات الليبرالية الرأسمالية الاستهلاكية، وانما الاختلاف هنا في نوع العبارات المواربة المستخدمة التي تستخدمها لترويج أجندتها، علما بأنه حتى هذا اليسار الشكلي غير موجود بشكل ملحوظ في طيف الكيان الصهيوني السياسي الحالي المكون برمته من اليمين الفاشي المتطرف واليمين الديني الفاشي الأكثر تطرفا (وأكثر تخلفا واجراما) .
وثانيها، هو الاختزال والتعميم فيما يتعلق بالمشاريع القومية والتي وقع فيها المؤلفون كما وقع فيها المترجم، فمقارنة النموذج الأوروبي للقومية اليمينية "الوطنية" كما جسدته النازية الألمانية والفاشية الايطالية، بالمشروع القومي العربي الناصري ذو الصبغة اليسارية والاختلافات الجذرية من حيث قدرته على احتواء الأقليات وتجاوزه للهويات المحلية وتوظيفه اليساري (وان شابته العيوب) للسياسات الاشتراكية، وطابعها الأممي، يدل على قصور كبير في الفهم، رغم الاختلافات التي أثارها اليسار الشيوعي والثوري العربي (سواء ذلك التابع كليا للاتحاد السوفياتي، أو المستقل برؤيته اليسارية) مع المشروع القومي وان كان في جزء منها وجاهة وحق، لا يمكن مقارنة المشروع النازي مثلا بالمشروع الناصري أو مساواة الأخير بالمشروع القومي الصهيوني من حيث الرجعية اليمينية والعنصرية.
أما الثالث فهو عدم صمود وايمان المؤلفين ذاتهم بالفكرة التي قدموها، واتجاههم (وأغلب كوادر حزبهم من "اليسار" الى التيارات اليمينية الرجعية في شكليها "الليبرالي" والفاشي) وقد يكون ماشوفر نسبيا هو الاستثناء.
في المحصلة الكتيب يعد وثيقة مهمة لفهم طبيعة الكيان الصهيوني، عوامل ترابطه (أو تفككه) ودوره في المشروع الإمبريالي من المنظور الأشمل وذلك لا يقلل ولو قيد أنملة من تضحيات ونضالات الشعب الفلسطيني الذي تعرض (لما يزيد عن ٧٥ سنة) لأسوأ أنواع الإجرام والتنكيل التي عرفتها البشرية في كل تاريخها المكتوب (وأطولها)، جرائم يجسدها ما يرتكبه اليوم العدو الصهيوني - ولأكثر من ٤٠ يوم متواصلة - من القصف والقتل والحصار والتجويع لفلسطيني غزة، فصلا من فصولها الدموية التي ستشكل مخرجاتها خارطة المنطقة القادمة وبداية انتصار الشعب الفلسطيني.
اقتباسات:
"تطرح دراسة الطبيعة الطبقية للمجتمع الإسرائيلى" أن العنصر الحاكم للتفاعلات داخل المجتمع الإسرائيلي هو طبيعته الاستيطانية وليس الصراع الطبقي الداخلي كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية التقليدية. وبهذا المعنى فإنه لا يمكن فهم إسرائيل خارج وظيفتها ككلب حراسة للمصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط وخارجه، وخارج طبيعتها العدوانية تجاه البلدان الأخرى في المنطقة." *الغلاف الخلفي للكتاب - تامر موافي
"ما يمكن أن نفهمه من نص ماركس هو أن الدولة الليبرالية في أفضل صورها تشترط لاستمراريتها تشظي المجتمع المدني لأفراد أنانيين يتمتع كل منهم بامتيازات متفاوتة على حساب غيره. وأن التحرر الاجتماعي للإنسان لا يمكن له أن يتحقق في ظل هذه الامتيازات المتباينة والتي تحمي الدولة السياسية استمراريتها. التحرر الاجتماعي الكامل إذا يشترط زوال الدولة السياسية ليزول الفصل بين المواطن الإنسان السياسي، وبين إنسان المجتمع المدني، وينشأ إنسان النوع، الفرد في جماعة من المتساوين نظريًا وفعليًا وليس قانونيًا فقط." ص١٥ *مقدمة تامر موافي - تحليل نص ماركس في كتابه "المسألة اليهودية" - تامر موافي
"وكان الإطار العام المفضل لحل مشكلة أي أقلية إثنية أو طائفية هو استيعابها داخل مجتمعاتها. ومن ثم فرد فعل اليسار تجاه الحركة الصهيونية في هذه الفترة كان الإجماع على رفضها." ص١٦ *الموقف ما قبل الحرب العالمية الأولى - تامر موافي
"كانت الصهيونية حركة منافسة للحركة الاشتراكية التي كان�� حينها تجتذب عددا كبيرًا من اليهود. واعتمدت الحركة الاشتراكية في جاذبيتها لليهود على الوعد بأن الثورة الاشتراكية ستمحو بالضرورة كافة التمييز ضد الأقليات. وفي المقابل قدمت الصهيونية لليهود وعدًا بالخلاص يتمثل في إقامة دولة خالصة لهم. وأخيرا رأى الاشتراكيون أن المشروع الصهيوني غير عملي، إلا في حالة دعمه من إحدى القوى الإمبريالية مما يجعل وجوده في الأساس مرهونا بتحقيق مصالح الإمبريالية العالمية." ص١٧ *المقدمة - تامر موافي
"كان عداء لينين للصهيونية أكثر حدة من معارضة كاوتسكي لها. فيما قبل الثورة الروسية كان انتباه لينين منصبا على وحدة الأحزاب والتنظيمات العمالية الروسية، ولذا فقد وجه بعضا من أكثر انتقاداته حدة إلى اتحاد العمال اليهود في شرق أوروبا، عندما سعى الأخير إلى قدر أكبر من الاستقلالية عن اتحاد العمال الروس. وربط لينين بين هذا التوجه للاتحاد اليهودي وبين تنامي التأثيرات الصهيونية عليه (1903 Lenin). بعد الثورة الروسية كان اهتمام لينين الأكبر متجهًا للمواجهة مع القوى الإمبريالية، وفي هذا الإطار رأى أن الطموحات الصهيونية تتوافق مع سعي هذه القوى لخلق بنى استعمارية معتمدة عليها اقتصاديًا وماليا وعسكريا بشكل كامل." ص١٩ - تامر موافي
"على جانب آخر بدأ ستالين منذ عام ١٩٤٤ في انتهاج سياسة داعمة للصهيونية، نتيجة لاقتناعه بأن اليهود سينشئون دولة اشتراكية في فلسطين، وأن ذلك من شأنه تقويض النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس صوت الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الشرقي في نوفمبر ١٩٤٧ لصالح قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين. وفي عام ١٩٤٨، اعترف الاتحاد السوفيتي بدولة إسرائيل بعد ثلاثة أيام من إعلانها، وكان أول دولة تمنح إسرائيل اعترافًا قانونيا بالوجود، مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت بإسرائيل حينها كأمر واقع." ص٢٠-٢١ *تامر موافي
"ففي الركيزتين الثالثة والرابعة لمواقف ماتزين تتبلور رؤية إقليمية واسعة للصراع. فقبل أي شيء أصر أعضاء ماتزبن على "السياق الإقليمي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فنتيجة للطبائع الخاصة للاستعمار الصهيوني، كان توازن القوى مائلا بشدة لصالح إسرائيل (مدعومة براعيها الاستعماري) وضد الشعب الفلسطيني. ويمكن أن يعالج عدم التوازن هذا ويصبح التحرر الفلسطيني ممكنا فقط، كجزء من تحول ثوري للمنطقة، تحدثه ثورة عربية تقودها الطبقة العاملة تطيح بالأنظمة القمعية، وتوحد الشرق العربي، وتضع للهيمنة الإمبريالية عليه"." ص٢٦ *تامر موافي
"في مقاله عن تظاهرات ١٤ يوليو، يرصد ماشوفر باختصار التغيرات الطارئة على الاقتصاد، ومن ثم على المجتمع الإسرائيلي، مقارنة بالواقع الذي رصدته هذه الورقة في بداية سبعينات القرن الماضي. وهو بذلك يؤطر الخلفية الموضوعية الداخلية التي خلقت شروط اندلاع التظاهرات، وعناصر التغيرات التي حولت الاقتصاد الإسرائيلي من اقتصاد رفاه لرأسمالية دولة بيروقراطية يقدم دعمًا كبيرًا لمواطنيه، إلى اقتصاد نيوليبرالي هو الثاني من حيث اتساع فجوة الدخول فيه بين الأكثر ثراءً والأكثر فقرًا بعد الولايات المتحدة." ص٣٧ *تامر موافي
"والدرس: أن الأرضية القومية تنحدر دائما في اتجاه اليمين، وهي في ذلك النموذج الأكثر تطرفا لسياسات الهوية بشكل عام." ص٣٩
"أولى الخصائص الفارقة للمجتمع الإسرائيلي هي أن غالبية السكان من المهاجرين أو من أبنائهم في عام ١٩٦٨ بلغ عدد سكان "إسرائيل" (فلسطين المحتلة) من اليهود البالغين (بمعنى أنهم فوق سن الخامسة عشر) ١,٦٨٩,٢٨٦ نسمة، ٢٤% منهم ولدوا في "إسرائيل" (*فلسطين المحتلة)، و٤% منهم فقط ولد أباؤهم فيها." ص٤٧ *مزيدة
"وعلى عكس ذلك سيستخدم العامل الإسرائيلي تصنيفات إثنية، وسيقيم نقسه والآخرين وفق كونه "بولنديا" أو "مشرقيًا"، إلخ. فأغلب الناس في "إسرائيل" (فلسطين المحتلة) لا يزالون يقيمون موقعهم الاجتماعي وفق أصولهم الإثنية والجغرافية، ومثل هذا الوعي الاجتماعي هو بوضوح حاجز يعيق لعب الطبقة العاملة لدور مستقل." ص٤٨
"لا يمكن لطبقة عاملة أن تلعب دورًا ثوريا في مجتمع ما بينما يرغب غالبية أعضائها في تحسين أوضاعهم بشكل منفرد في إطار المجتمع القائم، وذلك بمغادرة صفوف طبقتهم." ص٤٨-٤٩
"ولكن المجتمع الإسرائيلي ليس مجرد مجتمع من المهاجرين وإنما هو مجتمع من المستوطنين. هذا المجتمع، بما في ذلك الطبقة العاملة، تشكل من خلال عملية استيطان. هذه العملية، التي استمرت طوال ٨٠ عاما، لم تنفذ في فراغ وإنما في بلد مأهول بشعب آخر. الصراع الدائم بين المجتمع الاستيطاني والسكان الأصليين والعرب الفلسطينيين المهجرين لم يتوقف مطلقا، وقد شكل بنية الاجتماع والسياسة والاقتصاد الإسرائيليين أنفسهم." ص٥٠
"عندما قال ماركس أن "الشعب الذي يقمع شعبا آخر لا يمكن أن يكون نفسه حرا" ، لم يعن هذا كمجرد حكم أخلاقي. لقد عنى أيضا أنه في مجتمع يقهر حكامه شعبًا آخر، تصبح الطبقة المُستَغَلَّة التي لا تعارض بالفعل هذا القهر حتمًا شريكة فيه. حتى عندما لا تجني أي شيء بشكل مباشر نتيجة له فهي تبقى عرضة لوهم تقاسمها مصلحة مشتركة مع حكامها في استمراره." ص٥١
"المجتمع الإسرائيلي فقط مجتمع مستوطنين شكلته عملية استيطان بلد مأهول بالفعل، بل هو أيضا مجتمع مستفيد من امتيازات فريدة. فهو يتمتع بتدفق للموارد المادية من الخارج لا يضاهى بغيره من حيث الكم أو النوع، وقد تم فعلا حساب أن إسرائيل قد تسلمت في عام ١٩٦٨، ١٠ بالمائة من كل المعونات التي تلقتها الدول النامية." ص٥٥
"من ثم يظهر أن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة قد تغير بشكل كبير منذ حرب ١٩٦٧. حيث لم يعد جمع التمويل من اليهود حول العالم (باستغلال مشاعرهم ومخاوفهم) كافيًا لدعم الميزانية العسكرية المتزايدة بشكل ضخم. فلقد تضاعف متوسط ال ٥٠٠ مليون دولار التقريبي المتحصل من جمع التمويلات الآن، وفوق ذلك طلب من الحكومة الأمريكية أن تقدم بشكل مباشر ٥٠٠ مليون دولار إضافية. ومن الواضح أن استعداد حكومة الولايات المتحدة لدفع هذه المبالغ يعتمد على ما تحصل عليه في المقابل. في هذه الحالة الخاصة بإسرائيل ليس هذا المقابل عائدا اقتصاديًا." ص٦٠
"ولم يشمل هذا التدفق للموارد من الخارج الملكيات التي انتزعتها المؤسسة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل من اللاجئين الفلسطينيين بوصفها "ملكيات مهجورة"، ويشمل ذلك أراض مزروعة وغير مزروعة فقط ١٠ بالمائة من الأراضي التي سيطرت عليها كيانات صهيونية قبل ١٩٦٧ قد تم شراؤها قبل ١٩٤٨. وتشمل هذه الملكيات أيضًا كثيرا من المنازل، ومدنا هجرت بالكامل مثل يافا واللد والرملة، حيث صودرت معظم الملكيات بعد حرب ١٩٤٨." ص٦٢-٦٣
"وقد حدد هذا الطريقة التي وظف بها رأس المال الوارد وكذلك الملكيات المصادرة. وجهت المنح المجمعة بالخارج عبر الوكالة اليهودية التي شکلت مع الهستدروت والحكومة، أضلاع مثلث المؤسسات الحاكمة. فجميع الأحزاب الصهيونية، من مابام إلى حيروت ممثلة في الوكالة اليهودية. وهي تمول قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي، بصفة خاصة الأجزاء غير الهادفة للربح من النشاط الزراعي مثل الكيبوتزات." ص٦٣
"فإن الصراع بين الطبقة العاملة الإسرائيلية وبين أصحاب الأعمال، سواء البيروقراطيين أو الرأسماليين، لا يدور حول فائض القيمة وإنما حول الحصة التي تحصل عليها كل مجموعة من هذا المصدر الخارجي للدعم." ص٦٦
"أي ظروف سياسية مكنت إسرائيل من تلقي مساعدات خارجية بمثل هذا الحجم وبمثل هذه الشروط التي لا مثيل لها؟ أجاب محرر جريدة هآرتس اليومية هذا السؤال مبكرا في عام ١٩٥١: "لقد أعطيت إسرائيل دورًا لا يختلف عن دور كلب الحراسة. فليس على المرء أن يخشى أن تمارس سياسة عدوانية تجاه الدول العربية إذا ما تناقض هذا مع مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن إذا ما فضل الغرب لسبب أو لآخر أن يغمض عينيه، فيمكن الاعتماد على أن إسرائيل سوف تعاقب بقسوة أي من دول الجوار ممن يتخطى سلوكه تجاه الغرب حدود اللياقة"." ص٦٦-٦٧
"وهذا يعني أنه برغم وجود الصراعات الطبقية في المجتمع الإسرائيلي فهي مقيدة بحقيقة أن المجتمع ككل مدعوم من الخارج. هذا الوضع المميز يتعلق بدور إسرائيل في المنطقة، وطالما استمر هذا الدور سيظل احتمال أن تكتسب الصراعات الاجتماعية الداخلية طابعًا ثوريًا ضئيلا على جانب آخر، قد يغير اختراق ثوري في العالم العربي هذا الوضع فبتحرير فعل الجماهير عبر العالم العربي يمكن تعديل ميزان القوى، وهذا يجعل دور إسرائيل السياسي العسكري التقليدي منتهي الصلاحية، ويمكن من ثم أن يحجم نفعها للإمبريالية. في البداية، يمكن ربما استخدام إسرائيل في محاولة لسحق مثل هذا الاختراق الثوري في العالم العربي، ولكن بمجرد أن تفشل هذه المحاولة سينتهي دور إسرائيل السياسي والعسكري في مواجهة العالم العربي. وبنهاية هذا الدور والمزايا المتصلة به، يصبح النظام الصهيوني، كونه معتمدًا على هذه المزايا، عرضة للتحدي من داخل إسرائيل نفسها." ص٦٨
"وسيدرك كل من يتابع عن كثب الصراعات الثورية في العالم العربي العلاقة الجدلية بين الصراع ضد الصهيونية داخل إسرائيل وبين الصراع في سبيل ثورة اجتماعية داخل العالم العربي." ص٦٩
"وقد بدأ الدعم إسرائيل العسكري المباشر للدول الأفريقية في عام ١٩٦٠، وهو يشمل الدعم العام للحكومات النيوكولونيالية، إلى جانب مساندة تلك القوى القابعة على الأطراف الجنوبية للعالم العربي والتي يمكنها أن تعزز المصالح الإمبريالية. وشمل النوع الأخير إمداد حملة حكومة تشاد المضادة للمليشيات بخبراء عسكريين، وعون حركة المليشيات في جنوب السودان. وقدمت إسرائيل أيضا الدعم لحملة إثيوبيا ضد حركة التحرير الإريترية." ص٧٣-٧٤
"وكانت إسرائيل أقل نجاحا في تنفيذ مثل هذا البرنامج في آسيا، مع استثناء ملحوظ في سنغافورة، حيث تساعد في دعم استراتيجية بريطانيا شرق السويس. ومنذ عام ١٩٦٦ كان خبراء إسرائيليون، قدموا على أنهم "خبراء زراعيون مكسيكيون"، قد دربوا الجيش السنغافوري، وأمدوه بالدبابات والمعدات الإلكترونية." ص٧٤
"لأن غرض الصهيونية السياسية قد كان منذ البداية الأولى، هو إنشاء دولة قومية يهودية خالصة في فلسطين وإزاحة السكان الأصليين. وقد كتب ثيودور هيرتزوج مبكرًا في عام ١٨٩٥ في يومياته: "ينبغي أن ننتزع الأراضي ذات الملكية الخاصة في المناطق المخصصة لنا من أيدي ملاكها بالتدريج. وسنحاول نقل الأفقر بين السكان بهدوء خارج الحدود بأن نمدهم بعمل في البلدان الانتقالية، ولكننا سنحرمهم من أي فرصة للعمل في بلدنا. أما أصحاب الملكيات فسينضمون إلينا. وينبغي ان يتم نقل ملكية الأراضي وتهجير الفقراء بلطف وعناية. لندع ملاك الأراضي يعتقدون أنهم يستغلوننا بحصولهم على أسعار مبالغ فيها. ولكن لن يتم بيع أي أراض مرة أخرى إلى ملاكها"." ص٧٥
"وإذا كانت الأيديولوجية المهيمنة في ��جتمع ما أيديولوجية الطبقة الحاكمة، وإذا كانت هوية الطبقة المهيمنة غير واضحة يمكن للمرء أن يحاول تحليل الأيديولوجية المهيمنة نفسها ليستنتج منها هوية الطبقة الحاكمة." ص٧٦
"لم يكن الهستدروت معنيًا فحسب بدوره في الحفاظ على العزلة القومية لليهود، الذين عاشوا في وسط عربي بالأساس. لكنه كذلك، ومنذ إنشائه، كان في مقدمة الاستعمار الصهيوني لفلسطين. فقد جعل منه موقعه المختار بين مستعمري البلاد الصهاينة، وتنظيمه القوي إلى أقصى حد، رائدا في عملية الاستعمار الزراعي، وكسب مواقع العمل للعمال اليهود بطرد الفلاحين والعمال العرب ووجدت الشعارات الصهيونية في العشرينات والثلاثينات "غزو "العمل" و"غزو الأرض" مطبقيها الأساسيين في الهستدروت." ص٨١-٨٢
"وهو كمنظمة يهيمن بشكل كامل على الكيبوتزات والمزارع الجماعية في أنحاء البلاد. فليس من فراغ أن يعتبر الهستدروت العماد المركزي للمشروع الصهيوني منذ بدئه، أو كما يقول الصهاينة "الدولة في شكلها الجنيني"."ص٨٣
"أنشأ الهستدروت قسمًا خاصًا بالعمال العرب، فقط في نهاية فترة الانتداب البريطاني عام ١٩٤٣، كان الغرض منه تنظيمهم في إطار صوري وتابع، وذلك لصرفهم عن النضال السياسي، أي النضال المضاد للإمبريالية وللصهيونية. وقد لخص مؤرخ صهيوني متخصص في الشئون العربية وعضو بالهستدروت التجربة: "بينما يتطور الشعور القومي بين العمال (العرب) تصبح مقاومتهم لهؤلاء الراغبين في تنظيمهم من خارجهم أقوى. فالأكثر ذكاءً وديناميكية بينهم لم تتح له مطلقًا فرصة إظهار موهبتهم أو مبادرتهم. ويوضح منشور بالعربية (نشره الهستدروت)، أنه ينبغي العناية فقط بالمصالح الاقتصادية للعمال العرب وينبغي استبعاد كل نشاط سياسي. وهذا شرط يصعب أن يقبله هؤلاء الواعون بالحياة العامة والقريبون منها. فمفهوما العمل وغزوه الذين يتمسك بهما الهستدروت هما معوقين بنفس القدر، حيث يجعلان من الصعب إيضاح الأمور بشكل مقنع لعامل عربي"." ص٨٤
"ولم يعتبر حزب العمل -"الاسرائيلي"- نفسه ماركسيا أو ثوريًا في يوم من الأيام، ولكنه اشتراكي إصلاحي، ومع ذلك بالرغم من أن مائير تحدثت في عام ١٩٥٠ عن "الاشتراكية الآن" فلا يدعي الحزب اليوم أي انتماء للاشتراكية. وقد تعاون هذه الحزب - بل وتأمر سرًا (كما في حرب السويس) - مع الإمبريالية في كل الصراعات بينها وبين القوى المعادية لها في الشرق الأوسط. وله مصلحة واضحة في استمرار النفوذ الإمبريالي في المنطقة." ص٩٧
"الصراع الدائم مع العالم العربي ومع التيارات المعادية للإمبريالية داخل الصهيونية، يرغمها على الاعتماد بشكل متزايد على الإمبريالية ويخلق هذا ضغطا دائما يزيح اليسار الصهيوني إلى اليمين. وفي طريقه الطويل منذ أصوله الأولى في روسيا عام ١٩٠٥، تخلى اليسار الصهيوني، خطوة خطوة، عن شعاراته عن الثورة والاشتراكية ومعاداة الصهيونية. وتترك كل إزاحة إلى اليمين خلفها مجموعة منشقة مخلصة للشعار المتخلى عنه." ص١٠٠
وكما تراجعت المسألة اليهودية، بوصفها تدور حول استيعاب اليهود كأقلية دينية في المجتمعات الأوربية، في مواجهة الصهيونية ، بوصفها تدور حول حق اليهود كشعب ذو إثنية مستقلة في إقامة دولتهم القومية، تراجعت الصهيونية بهذه الصفة ، كقضية محورية بالنسبة لليسار
والبنية الخاصة للطبقة الحاكمة إنه مجتمع تشكل من خلال الهجرة والاستعمار لأرض مأهولة بالفعل مجتمع تصان وحدته الداخلية من خلال الصراع ضد العدو الخارجي
طبيعة المجتمع الاسرائيلي ليس متجانس ، بل ليس مجتمع له مستقبل يضمن الرخاء لكل مواطنيه يفسر لنا الكتاب مدى الفروقات في هذا المجتمع ومدى عدم وضوح الرؤية له، فهو مجتمع يميني متطرف ولكنه أيضا يحلم بأن يكون يساري التوجه وما يضمن بقاءه هو تحقيق أجندة الدول الامبريالية العظمى، فهو يعمل كحارس لمنطقة الشرق الأوسط ولكنه أيضا يتأثر بما يجرى في الشرق الأوسط وبما يحدث في أفريقيا ولذلك يسعى جاهداً أن يثبت أركانه في مختلف البقاع التى قد تؤدى لتفككه وإنحلاله