حاول المؤرّخ د. الهادي التيموميّ إخضاع مقدّمة بن خَلدون لقراءة جديدة حقّا. وقد استنطقها حول خلفيات الإشارات الاقتصاديّة الواردة فيها، واكتشف أنّ تلك الإشارات وإن كانت لا تشكّل نظريّة في علم الاقتصاد فإنّها كانت تنبئ بما صاغه بعض علماء الاقتصاد الأوروبيّين من نظريّات في فترة تشكّل النظام الرّأسماليّ. ولعلّ أهمّ ما توصّل إليه الباحثُ هو أنّ تلك الإشارات لم تكن فقط نتاج عبقريّة بن خَلدون وإنّما كانت كذلك نتاج تحوّلات نوعيّة مسّت القاعدةَ المادّيّة للمجتمعات المغاربيّة منذ العهد الموحّديّ تقريبا. وقد استشعر بن خَلدون بتلك التحوّلات وإن بشيء من الضّبابيّة. كما دلّل الباحث على أنّ عصر بن خلدون لم يكن عصرَ تخلّفٍ وإنّما كان عصرا-منعرجا. فإمّا الإقلاع وإما النّزول إلى الهاوية. وقد كان بن خَلدون متشائما وحبّذا لو كذّب التّاريخُ تشاؤمَه.
ولد بنصر الله جنوب القيروان حيث زاول تعليمه الإبتدائي بمدرسة العجاجنة.. تابع تعليمه الثانوي بسيدي بوزيد حيث تحصل على شهادة الباكالوريا آداب. تابع دراسته الجامعية بدار المعلمين بسوسة اختصاص اللغة و الآداب العربية، حيث تعرّض إلى ملاحقات و تتبع أمني، ثم محاكمة سياسية. خرج من سنوات الهرسلة الأمنية و أيام الثورة، بأعمال روائية بدأ في نشرها على التوالي :
ملح قرطاج : في تعرية النظام البوليسي الاستبدادي و كشف ملامحه القبيحة الفزاعة : في تحليل الهشاشة الداخلية لسلطة الاستبداد يسقط الشاه : مقاربة روائية لانهيار الدكتاتورية المدوي، و ما يعقبه من صراع بين قوى الثورة و قوى الردة أبناء بورقيبة : تكشف الآليات الغامضة التي حولت البورقيبية من ثورة تحرر إلى جهاز قمع سياسة الخنازير : عمل قصصي صادم في فضح الساسة المتلونين الذين يديرون الشأن السياسي بأخلاق الحظيرة.
يشتغل الكاتب حاليا موظفا بوزارة البيئة و التنمية المستديمة.
لو ظننت أنّك أمام قراءة تأويليّة أخرى لمقدّمة بن خَلدون، فأنت واهم. ولو ظننت أن الدكتور التيمومي سيبسط أمامك سطور الكتاب الخلدونيّ الجليلِ كاشفا ما خفيَ بينها من أفكار فسوف يخيب ظنّك. فالكتاب ليس في النهاية إلا إسقاطا لنظريّة التيمومي بشأن نمط الإنتاج المخماسي على الفكر الخلدونيّ. إذ يذهب المؤرّخ المعاصر إلى أنّ نظيره القروسطيَّ قد رأى بعض ملامح تكوّن هذا النمط الانتاج ولمّح إليه، مقتفيا بفضل ذلك بدايات تكوّن هذا النّمط الّذي يزعمه. وبعيدا عن وجاهة النظرية، فالمؤكّد أن ما جاء به على لسان بن خلدون لا يكفي على الإطلاق للحديث عن "بداية ملاحظة" أو انتباه لتحوّل من هذا الشكل. لقد ساق لنا التيمومي أمثلة قليلة جدا من المقدّمة وأحيانا أثقلها بمعانٍ لم يكن بن خَلدون يريدها. فهاهو يستدلّ بمقطع من الفصل الخامس من المقدمة يشير فيه بن خلدون إلى الطبيعة المتخاذلة لأهل الحضر، ليثبت تكاسل حَضرِ تونسَ عن التجديد وقصر همّتهم في توسيع الرزق. والحال أن بن خَلدون يتحدث عن طبيعة كامنة في روح الحضر تفرضها الحياةُ الحضريّةُ نفسُها في مقابل الحياةِ البدويّةِ وليس في ذلك تخصيص لأهل افريقية. الكتاب في النهاية استكمالٌ لمشروع التيمومي في خصوص نمط الانتاج المخماسيّ، وذلك بالذهاب به إلى البدايات. على أنّه بحثا لنظريّته عن شرعية تتجاوزُ شخصه، حاول أن يربط الفكرةَ بعبقريّ التاريخ والعمرانِ ذلك أنّ الناس إن لم تأخذ التيمومي مأخذ الجدِّ حين يعلن عن نظريّة مهمّة، فإنّها ستفعل ذلك حتما مع عبقريّ معترف به عالميا مثل ابن خَلدون.