لم يسعفني خاطري بما أعلّق به على جملة الصبية اللبنانية. كنت بالفعل أطرب ل((موزار)) و((باخ)) و((بيتهوفن)), لكن سرح خاطري بعيداً إلي ((أم درمان)), مدينتي الحبيبة. تذكّرت أني كتبتُ في آخر مقالٍ لي, بعثت به إلى الصحيفة المصرية, خاطرة عن أهل مدينتي, وكيف يطربون في أحزانهم. أجل.. إنهم يطربون في أحزانهم
(..بل إنني لا أعرف شعباً فتن بأغانيه وأعجب بها, فتنة السوداني وإعجابه بها. فأنتَ تجد الموظف في مكتبه والتاجر في حانوته, والطالب في مدرسته, والشحّاذ والحمّار والعامل والمزارع والطفل الذي لم يتجاوز الثالثة, ومن إليهم.. كلهم يتغنون بها ويردّدونها في كلّ ساعة وكلّ مكان, ويأخذون من نغمها وإيقاعها, معيناً لهم, يعينهم على العمل ويلهب إحساسهم بدواعي النشاط والتيقظ الشاعر. بل بلغ إفتتانهم بها أنّ الرجل يشتري ((الأسطوانة)) الغنائية بعشرين قرشاً, وهو لا يملك قوْت يومه, وقلّ أن يمرّ الإنسان بأيّ شارع من شوارع أم درمان, إلا ويعثر على إنسان أو جماعة, تدمدم بتلك الأغاني, في شبه غيبوبة حالمة, وصوتٍ باكٍ حزين..!)
عمل روائي يحكي قصة حياة معاوية نور الأديب والناقد والمثقف الذي لو كان عاش قليلا لملأ الدنيا وشغل الناس .
التأمل في أحداثها يتضح منه أطماع المستعمر وخوفه من الثقافة ومن الوعي ، نور كان حالة شاذه لا يرغب المستعمر وقتها في وجودها فهو يشكل خطرا في حال ظهر في السودان نور كثير على شاكلته .
تعرض الفتى لضغوط نفسية كثيرة بعد أن أحرز أعلى الدراجات العلمية وقتها وعاد لبلده الذي ربما أرغمته ظروفه على العودة إليه ليجد نفسه غير مرغوب فيه ويلقى عدم تقدير لكفاءته بل وكأنها ذنب أن يكون بهذه العبقرية في هذا الوقت .
ربما كان نور غير محظوظ لنبوغه في هذا الوقت ، وجيلنا غير محظوظ إذ كيف يحجب عنا هذا النور كل هذا الوقت لا يكاد يعرف معاوية نور إلا النخب المثقفة في بلدنا .
شكرا للأستاذ جمال محمد إبراهيم على هذا العمل المتميز والسلسل الذي يجذب القارئ ويكاد يفرغ منه في جلسه واحدة ولا يمل منه .