رواية "مزار محي الدين" لمحمود حسن الجاسم: رواية مشلّعة الأبواب والنوافذ
أُصاب بالخيبة عندما أقرأ رواية جيّدة لكاتب، ثمّ أقرأ رواية أخرى لنفس الكاتب وتكون سيّئة. هذا ما حصل لي تمامًا مع السوري محمود حسن الجاسم. فبعد أن قرأت رائعته "نزوح مريم"، تفاجأت حقيقةً بالمستوى المتدنّي لرواية "مزار محي الدين".
الفكرة بمجملها تتلخّص بجملة واحدة: شخص بريطاني يؤمن بالدروشة العربيّة وبالخرافات المقدّسة.
على صعيد المنطق، لم أفهم السبب وراء كون هذا المتدروش بريطاني؟ وكما لم أفهم علاقة أن يكون هذا الشخص منقّب آثار يعمل في تهريبها في دول عربيّة مثل سوريّة والعراق؟
الرواية لم تعالج مثلًا موضوع تهريب الآثار العربيّة السائد في تلك المنطقة وتحديدًا بعد احتلال العراق سنة 2003 وبعد الثورة السوريّة سنة 2011 كما ولم تكن ثمّة معالجة لموضوع الإيمان بالخرافات. كلّ ما رأيناه في الرواية كان عبارة عن مقالة طويلة وسمجة تنتقد الدين من جهة وتقدّسه من جهة في تراشق حوارات لا طائل منه إلّا الحشو والإطناب.
شخصيّات العمل لم تُبنى بشكلٍ حِرفيٍ، فلم تترك الشخصيّات أيّة آثار لا على سير العمل ولا في نفسي كقارئ.
الجدير بالذكر هو أنّ كان للكاتب خامة جيّدة لكتابة رواية مقبولة في أسوأ ظنّ، لكنّه أخذ الأحداث إلى مناحٍ ضبابيّة فيها الكثير من الغشاوة "والسذاجة" كأن ينقّب الفريق عن الآثار في مزار الدرويش وعندما يجدون الماء الذي كان آدم يبحث عنه ليشرب ويشفى من السرطان يذهبون إلى الفندق ومن بعدها بيوم يذهبون لجلب الماء! كما وأنّ آدم لا يموت إلّا بعد إتمام الحفر وشربه الماء المقدّس بنظره! حتّى فكرة إيمانه تلك لم تكن مبرّرة ولم تستند على مسند ثابت، فلم نفهم سرّ قناعاته تلك إلّا بالحلم الذي رأى فيه جدّته تقول له أن يشرب من ماء عند صخرة! ولم نفهم ماذا حصل لمايكل والمهرّبة السوريّة صديقته؟ ولم نفهم ماذا كان مصير عمليّة التهريب تلك؟ ولم نفهم من كان المتواطئ في تهريب تلك الآثار المزعومة؟ أهي الدولة أم العصابات؟ سذاجة منقوعة بمحلول سذاجة.
ثقافة التسطيح والاستغباء والاستسهال في الرواية العربيّة باتت مثيرة للحنق على الكتّاب، ومثيرة للشفقة على القارئ اليتيم الذي يذبح خروفًا كلّما وجد رواية جيّدة بين كلّ مئة رواية، ومثيرة للغضب على ما آلت إليه الرواية اليوم.