Jump to ratings and reviews
Rate this book

المضنون به على غير أهله

Rate this book
المضنون به على غير أهله
خطبة الرسالة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه على موجب ما هدانا إلى حمده، ووفقنا للقيام بشكره، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف من انتسب إلى آدم عليه السلام وعلى صحبه الأخيار.
اعلم أن لكل صناعة أهلا يعرف قدرها، ومن أهدى نفائس صناعة إلى غير أربابها فقد ظلمها، وهذا علق نفيس مضنون به على غير أهله فمن صانه عمن لا يعرف قدره فقد قضى حقه أكرمت بهذا العلق على سبيل التهادي. أخي وعزيزي أحمد صانه اللّه عن الركون إلى الغرور وأهله لمعرفة بعض حقائق الأشياء التي كانت معرفة جميعها مطلوبة لسيد ولد آدم عليه السلام حيث قال: أرنا الأشياء كما هي، وهذا العلق المضنون به على غير أهله يشتمل على أربعة أركان:
الركن الأول: في معرفة الربوبية.
الركن الثاني: في معرفة الملائكة.
الركن الثالث: في حقائق المعجزات.
الركن الرابع: في معرفة ما بعد الموت والانتقال من الدنيا إلى العقبى، وفقنا اللّه تعالى لما يرضى ويحب، فإنه خير موفق ومعين وإليه المرجع والمصير.
الركن الأول في علم الربوبية
الزمان لا يكون محدودا وخلق الزمان في الزمان أمر محال، فاليوم هو الكون الحادث في اللغة وأيام اللّه حيث قال: وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: 10]. مراتب مخلوقاته ومصنوعاته ومبدعاته من وجوه منها قوله: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [فصلت: 10]. فيوم مادة السماء ويوم صورتها ويوم كواكبها ويوم نفوسها. وقوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9]. المادة والصورة، ومادة السماوات ومادة بروجها صورة واحدة، ومادة الأرض مادة مشتركة بين أزواج وفحول وهي أخس لأنها مثل مومسة تقبل كل ناكح. ومنها: الجماد والمعدنيات داخلة في الجماد والنبات والحيوانات العجم والإنسان. ومنها: الأرض فهو سماء من طريق اللغة، لأن أهل اللغة تقول: كل ما علاك فهو سماؤك، وكل ما دون الفلك يعني فلك القمر بالنسبة إلى الأفلاك أرض لقوله: ومِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: 12].
الأولى: كرة النار.
و الثانية: كرة الهواء.
و الثالثة: كرة الطين المجفف الذي فوق الماء.
و الرابعة: الماء.
و الخامسة: الأرض البسيطة.
و السادسة: الممتزجات من هذه الأشياء.
و السابعة: الآثار العلوية.
فصل في تعليقات على آيات كريمة:
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ [ص: 10]. الارتقاء: صعود الأخس إلى الأشرف حتى ينتهي إلى واجب الوجود.
كما قال تعالى: وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: 42].
و قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: 104].
و قوله تعالى: أَنَّ السَّماواتِ والْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: 30]. الأول انطباق فلك البروج على معدل النهار، والفتق بعد الرتق ظهور الليل.
فصل في أن الرزق مقدر مضمون
و هو من المعقولات لا من المنقولات. لأن الحق تعالى عقل ذاته، وما توجبه ذاته فهو قد عقل جميع الموجودات، وإن كان بالقصد الثاني وإنما يوجب كل واحد منها. أعني من الموجودات المبدعات على ما وجد لأنه سبحانه وتعالى يعقل وجود الكل من ذاته، فكما أن تعقله ذاته لا يجوز أن يتغير، كذلك تعقله لكل ما توجبه ذاته ولكل ما يعقله وجوده من ذاته لا يتغير، بل يجب وجود كل ذلك ووجود أنواع الحيوانات وبقاؤها متعقل لا شك فيه خصوصا النوع الإنساني، والنوع إنما يبقى مستحفظا بالأشخاص وبلوغ كل شخص إلى الغاية التي يمكن أن يولد شخصا آخر مثله لا يمكن إلا ببقائه مدة، وبقاؤه تلك المدة لا يصح إلا بما فيه قوام الحياة. وقوام الحياة بالرزق لأنه تعالى يعقل وجود الكل من ذاته ووجود ما يعقله من ذاته واجب، وتعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء الأشخاص وتناسلهم، وتعقل تناسلهم ببقاء كل شخص، وتعقل بقاء كل شخص مدة بما فيه قوام حياته وهو الرزق، والرزق إنما يكون من النبات والحيوان وهما الخبز واللحم، والفواكه من جملة النبات وأكثر الحلاوى، فوجب أن يكون الرزق مضمونا بتقدير الرؤوف الرحيم، لذلك قال تعالى: وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ والْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات: 22 و23].
فصل في من لا يعرف حقيقة الرؤيا
من لا يعرف حقيقة الرؤيا لا يعرف حقائق أقسام الرؤيا، ومن لا يعرف حقيقة رؤيا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسائر الرسل، بل رؤيا الذين ماتوا لا يعرف رؤيا اللّه تعالى في المنام، والعامي يتصور أن من رأى رسول اللّه في المنام فقد رأى حقيقة شخصه، وكما أن المعنى الذي وقع في النفس حاكى الخيال عنه بلفظ، فكذلك كل نقش ارتسم في النفس يمثل الخيال له صورة ولا أدري أنه كيف يتصور رؤية شخص الرسول في المنام وشخصه مودع في روضة المدينة وما شق القبر وما خرج إلى موضع يراه النائم. ولئن سلمنا ذلك فربما يراه في ليلة واحدة ألف نائم في ألف موضع على صور مختلفة، والوهم يساعد العقل في أنه لا يمكن تصور شخص واحد في حالة واحدة في مكانين ولا على صورتين طويل وربع، وشاب وكهل وشيخ، ومن لا تحيط معرفته بفساد هذا التصور، فقد قنع من غريزة العقل بالاسم والرسم دون الحقيقة والمعنى، ولا ينبغي أن يعاتب بل لا ينبغي أن يخاطب. فلعله يقول ما يراه مثاله لا شخصه، ويقال هو مثال شخصه أو مثال حقيقة روحه المقدسة عن الصور والشكل فإن قال: هو مثال شخصه الذي هو عظمه ولحمه، فأي حاجة إلى شخصه وشخصه في نفسه متخيل ومحسوس، ثم من رأى شخصه بعد الموت دون الروح فكأنه ما رأى النبي، بل رأى جسما كان يتحرك بتحريك النبي عليه الصلاة والسلام فكيف يكون رائيا له برؤية مثال شخصه، بل الحق أنه مثال روحه المقدسة التي هي النبوة فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي وجوهره ولا شخصه بل مثاله على التحقيق.
فإن قيل: فأي معنى لقوله عليه الصلاة والسلام:" من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي".
قلنا: لا معنى له إلا ما رآه مثال واسطة بين النبي وبينه من تعريف الحق إياه، فكما أن جوهر النبوة أعني الروح المقدسة الباقية من النبي بعد وفاته منزهة عن اللون والشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى الأمة بواسطة مثال صادق ...

Unknown Binding

Loading...
Loading...

About the author

Abu Hamid al-Ghazali

889 books3,005 followers
أبو حامد الغزالي

Born in 1058, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad al-Ghazālī ranked of the most prominent and influential Sunni jurists of his origin.

Islamic tradition considers him to be a Mujaddid, a renewer of the faith who, according to the prophetic hadith, appears once every century to restore the faith of the ummah ("the Islamic Community"). His works were so highly acclaimed by his contemporaries that al-Ghazali was awarded the honorific title "Proof of Islam" (Hujjat al-Islam).

Al-Ghazali believed that the Islamic spiritual tradition had become moribund and that the spiritual sciences taught by the first generation of Muslims had been forgotten.[24] That resulted in his writing his magnum opus entitled Ihya 'ulum al-din ("The Revival of the Religious Sciences"). Among his other works, the Tahāfut al-Falāsifa ("Incoherence of the Philosophers") is a significant landmark in the history of philosophy, as it advances the critique of Aristotelian science developed later in 14th-century Europe.

أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري،(450 هـ - 505 هـ / 1058م - 1111م). كان فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، وكان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ إذ لم يكن للشافعية في آخر عصره مثلَه.، وكان على مذهب الأشاعرة في العقيدة، وقد عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية في علم الكلام، وأحد أصولها الثلاثة بعد أبي الحسن الأشعري، (وكانوا الباقلاني والجويني والغزّالي) لُقّب الغزالي بألقاب كثيرة في حياته، أشهرها لقب "حجّة الإسلام"، وله أيضاً ألقاب مثل: زين الدين، ومحجّة الدين، والعالم الأوحد، ومفتي الأمّة، وبركة الأنام، وإمام أئمة الدين، وشرف الأئمة.
كان له أثرٌ كبيرٌ وبصمةٌ واضحةٌ في عدّة علوم مثل الفلسفة، والفقه الشافعي، وعلم الكلام، والتصوف، والمنطق، وترك عدداَ من الكتب في تلك المجالات.ولد وعاش في طوس، ثم انتقل إلى نيسابور ليلازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ولمّا بلغ عمره 34 سنة، رحل إلى بغداد مدرّساً في المدرسة النظامية في عهد الدولة العباسية بطلب من الوزير السلجوقي نظام الملك. في تلك الفترة اشتُهر شهرةً واسعةً، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى بلغ أنه كان يجلس في مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم. وبعد 4 سنوات من التدريس قرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية نفسه، متأثراً بذلك بالصّوفية وكتبهم، فخرج من بغداد خفيةً في رحلة طويلة بلغت 11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، كتب خلالها كتابه المشهور إحياء علوم الدين كخلاصة لتجربته الروحية، عاد بعدها إلى بلده طوس متخذاً بجوار بيته مدرسةً للفقهاء، وخانقاه (مكان للتعبّد والعزلة) للصوفية.


Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (50%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
1 (50%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Displaying 1 of 1 review