في البدء يكون الألم، والألم هو الذي يبقى في الذاكرة، والذاكرة وعاء الفن . . والرواية وعاء المجتمع ولذا فالرواية هي فن المجتمع، وهل بغير النضوج الاجتماعي تتشكل الفنون الاجتماعية! وكيف يكون الميلاد طبيعيا . . في حينه ووقته، إذا لم يكن النمو هكذا طبيعيا . . وإلا فليس صعبا ان نفهم ما الإجهاض! حين تعلن الرواية عن ميلادها نستطيع ان نقدر ان المجتمع قد استكمل من التعقيد مدى، ومن التناقضات أو التوافقات ما أباح الميلاد الطبيعي . . والزمن قيمة من قيم التعقيد والتطور، وفي الخليج، مجتمع يختزن منذ جذوره البعيدة إمكانات الفن الروائي . . لكن الانتظار كان ضرورة للنمو، لأن الأشياء لا تفقد منطقها وإن فعلت فإلى حين، تعود الى الاتزان، وهي إذ تتطور داخل قوانين منطقها الذاتي تصل الى «الكتلة الحرجة»، حيث تصبح إمكانات التفجر الذهني والفني والعقلي، ولعل الخليج، يملك خصوصية لا يدانيها مجتمع آخر، فالانقلاب الاقتصادي الذي أصابه . . كان بسرعة مذهلة، فانتصب الاقتصاد عملاقا فوق أرضية مختلفة . . هي امتداد لعصر البحر والغوص . . لم تملك الفرصة الكافية لتتحول استجابة أو تمهيدا لعصر النفط فكان هناك انكسار . . والانكسار في الاقتصاد ممكن . . لكنه في الانسان مستحيل، فانثنى انسان الخليج، جسمه وذهنه في أوج النفط، بما استتبع من تغييرات اجتماعية سريعة، وروحه مازالت في البحر . . ولغته الانفعالية الصادقة مشتقة من زمان الحزن . . وفي زمان الفرح . . تبدو لغة الحزن غريبة . . لكنها تكتسب التحديد . . والإبعاد . . هذا الفتق الحاد . . جعلنا نقف أمام مواجهة شيئين غريبين . . حزن صار ذكرى، لكنها ذكرى تجذرت في العمق، وفرح صار واقعا أو هو يصير . . إلى حد بعيد . . والحزن هو مفجر الابداع كله، لكن التعبير كان محددا . . بل كان قاصرا . . وحين جاء عصر التعبير، واللغة البينة، كان الحاضر مكتنزا بحياة جديدة . . فلا الذين كانوا يعانون عثروا على لغتهم داخل المعاناة ولا الذين يمكنهم العثور على اللغة يعانون . . فصارت بعض الفنون لذلك مشاريع مؤجلة . . عن وعي . . الى أن يجئ زمن . . تتوحد فيه اللغة مع شكل وحدة المعاناة . . أو تصبح اللغة فيه في محاذاة المعاناة . . وحين كان التعبير يفرض نفسه . . أحيانا . . كان فرديا وذاتيا . . ينحصر في زمان ومكان متعامدين متقاطعين، فاقداً للامتداد . . ولا أدري هل هذا يكفي أن يفسر لنا سبق الشعر للقصة . . وسبق القصة للرواية؟! وازدهر الشعر وازدهرت القصة القصيرة . . لأن كلا الفنين فن اللحظة، وفن التفجير الذاتي . . فن الفرد . . والفرد موجود دائما، قادر على استبطان علاقات ما داخله، متفاعل مع اللحظة الخارجية، واللحظة بطبيعتها لا تمتد . . هي لحظة، اذا تفجرت كانت القصيدة، أو كانت القصة القصيرة إذا مازجها شيء من الزمن، لكن الخروج من اللحظة الى الزمان الممتد . . ومن البسيط الى المركب، ومن الحدس الى الحدث، ومن النقطة إلى الخط يتطلب تركيبا اجتماعيا وثقافيا وحضاريا، يكون شرطا سابقا أو كالسابق لفن أكثر بقاء، لأنه أكثر وقوعا أو أكثر إيهاما بالوقوع. هذا كله . . قد يساعد على تفسير بسيط: لماذا لم تولد الرواية في الخليج بشكل يساير الشعر أو القصة القصيرة؟ مسألة تحتاج الى استقصاء ليس سهلا وأقصد بالرواية، الرواية الخليجية التي تنسج بالحياة الخليجية أو بجوانب من هذه الحياة، بحيث ترقى الرواية لتكون وثيقة، لا مجرد أن تكون ولدت في الخليج . . وإلا كنا سنقول إن روايات إسماعيل فهد إسماعيل خليجية، لمجرد انها ولدت في الكويت . . وهذا جانب آخر تماما . . لأنها ليست كذلك رغم شهادة ميلادها هل يحق لنا أن نقول أن «الشياح» رواية خليجية؟!! الجواب يقع في السؤال! لكننا نستطيع أن نبرز «شاهنده» كأول رواية خليجية، تحمل نسغا خليجيا، فيها شيء من لون وطعم وأخلاق وممارسات . . وحياة الخليج في فترة من الفترات . . وهذا هو نجاح راشد عبدالله . . بينما قصر عن ذلك ــ من ناحية خليجية ــ محمد عبدالملك في «الجذوة» فالجذوة ليست رواية خليجية . . وإن كانت مولودة في الخليج، وأحداثها ربما كلها وقعت في مكان ما من الخليج . . لكنها لا تعطي ملمحا واحدا يخص الخليج دون غيره . . فهي وثيقة إنسانية . . وليست وثيقة خليجية . . وذلك لا يقلل من قيمتها . . ولكنه يخرجها من نطاق التعريف السابق . . ونقترب الآن من «اللآلئ» التي كتبها عبدالله خليفة . . وهي واحدة من عدة روايات ولدت في هذا العام . . وللكاتب رواية أخرى ولدت مع اللآلئ . . فقد دفع روايتين في آن واحد وفي زمان كهذا . . صارت فيه صعوبة الطباعة عقبة عسيرة لا بد أن يختل منطق الحمل والميلاد.* نلتقي برواية «اللآلئ» . . وللوهلة الأولى لا بد أن نتوجس ونحن نتناول رواية اللآلئ . . لأن كتاب القصة القصيرة حين يلجون عالم الرواية . . ينسون أحيانا أن يغيروا أدواتهم . . فيجئ النتاج الجديد . . مختلفا من وجهة كمية . . لا فنية . . وهذا ليس قاعدة بطبيعة الحال . . لكنه احتراز، ومجرد سوء ظن مشروع، يضاف الى تلك الحالة العامة . . توجس آخر . . هو لو أن عبدالله خليفة . . حمل الى روايته كل عيوب مجموعته القصصية «لحن الشتاء» فإن ذلك سيكون سبب توجس آخر لا يبعث على الطمأنينة . . مجرد سوء ظن مشروع . . ومحملا بكل هذه الظنون السيئة . . دخلت عالم اللآلئ . . وأريد أن أسجل أول حكم . . وهو حكم لا يحتاج الى تبرير ولا الى حيثيات . . فحين تبصر طائرة محلقة . . وتقول هذه طائرة . . فانك تستند في ذلك على مفهوم للطائرة استقر لا يختلف عليه اثنان . . وحين تبصر في صحيفة قصيدة ستدرك طبقا لما استقر من مفهوم الشعر . . انها قصيدة لا يختلف اثنان . . لكن الخلاف سيكون على أمور أخرى في القصيدة أو في الطائرة . . لأن الجوانب متعددة ومختلفة . . أقول بعد أول قراءة لرواية «اللآلئ» أنه . . وحسب المفهوم الذي استقر في الأدب العربي وحتى الآداب الأجنبية . . وبدون تبرير أو تفسير أو حيثيات . . أن اللآلئ «رواية» . . وهذا الحكم نفسه هو مبرر دراستها على أنها رواية . . وإلا لكان التوقف أفضل. وقبل أن نتح...
اسم الكتاب: اللآلئ المؤلف: عبدالله خليفة الصفحات: 124 رقم الكتاب: 120
يكتب عبدالله خليفة الروائي البحريني المعروف، روايته الأولى، مُنكّهةً برائحة البحر، والغوص، وصيد اللؤلؤ، الذين كان تجارة عظيمة في البحرين والكويت وسواحل الخليج العربي عموماً، ما بارت إلا عند ظهور اللؤلؤ الصناعي، يكتب هذه الرواية متلمساً الماء، واللآلئ رزق الجزيرة الصغيرة الوفير، حيث تدور أحداث العمل حول موسم الغوص، حين ندّت عاصفة قوية ضربت البحر، فلم تثبت سفينة إحدى النواخذة ولم تستطع النجاة بسهولة، ضاعت في وسط البحر، وتحطمت، وأخذ البحّارة يتلمسون طريقهم بأي صورة للعودة لأهليهم، حيث وجدوا صحراء قاحلة وحارقة في انتظارهم، غذوا السير إليها، والطمع والجشع، والموت والجوع والعطش يناوشهم بين حين وآخر، وبين فرد وآخر، كان النوخذة نهماً، أراد أن يخبئ اللؤلؤ ويسرقهم، لكن مع الوقت، يكتشف أن الآلئ قد ضاعت مرتين، ولم تعد، وإلخ..
اللغة في الرواية رشيقة، وجميلة، والعمل قصير أساساً، لكن فيه عمق، وغزارة في الأحداث والتوصيفات، بل والتشبيهات.
عبدالله خليفة، روائي من البحرين، والخليج، مبدع، رحم الله هذا الكبير! قُرئت هذه الرواية من مجلد الأعمال الكاملة طبعة ٢٠٠٤.
اقتباسات: "بعيدٌ عنكِ أصبح غريباً، متوحشاً، أجري من أجل الأحجار البراقة. وحين آخذكِ بين ذراعي وأطل في عينيك، وأسمع صوتكِ، ونتحدثُ وننسج خيوطاً أخرى، تبدو الحياة جميلةً بلا أنصالٍ أو قتال."