كنتُ طالباً صغيراً في السنة السادسة الابتدائية حين رحتُ أقرأ الكتب التي غيرت مساري ، فبعد مجلات الأطفال قفز اسم تشارلس دارون مكتشف نظرية التطور. هكذا راح زميلي الذي يجاورني في مقعد الدراسة يسخر من اعتقاداتي التاريخية الدينية ، وصرت مذهولاً من هذا العالم الثقافي الغريب المريب! كانت كتب سلامة موسى هي الجسر الذي أوصلني إلى قراءة نظرية التطور ، وهو الأمر الذي فتح عيني على أهمية المكتبة العامة ، حيث الحشود من الكتب التي لا نستطيع شراءها نحن أبناء الفقراء.. لكنني اندفعتُ للأدب العالمي أكثر من الأدب العربي، كانت الروايات الكبرى لدستويفسكي وجوركي وقصص تشيخوف هي الكتب الأثيرة لدي، وبالتالي كانت القراءات النقدية حول أعمالهم، ولم تكن أعمال تولستوي متاحة ولعلها لم تكن موجودة بأحجامها الكبيرة في المكتبة . . رحتُ أنشغل بالعمل الأدبي والفكري معاً، خاصة في المرحلة الأعدادية والثانوية! ولهذا السبب تراجع تفوقي في الدراسة لحساب التفوق في القراءة الحرة . . أخذ نجيب محفوظ يظهرُ لي شيئاً فشيئاً عبر أفلام السينما أولاً، وكان يخيلُ إلي إنه مثل الروائيين والكتاب العرب الآخرين الذين لم أكن متحمساً لقراءتهم مثل أحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وأعمال طه حسين القصصية . . إن حديث المجلات عن الروايات التي تـُستقى من أعماله حفزتني لقراءتها، فرحتُ أقرأ بعضها وأجد إنها أعمال عادية، حتى انتقلت للدراسة في المعهد العالي للمعلمين ووجدتُ مصادر جديدة تحفرُ في رواياته بشكلٍ مختلفٍ وكانت موجودة في مكتبة المعهد. كان أهم من كتب عن نجيب محفوظ في تلك الفترة هو غالي شكري، في كتابه (المنتمي في أدب نجيب محفوظ )، وقد نــُشر الكتاب أولاً بشكل حلقات في مجلة كان اسمها (العلوم) في تلك الفترة وتصدر من بيروت، وقد كان توجه غالي شكري هو أن يربط بين نجيب محفوظ وخاله سلامة موسى، ويكشف علاقة التأثر من الروائي للباحث، ونمو أعمال محفوظ وبطريقته التي ينفخ فيها بقوة في هذه الروايات من داخل شخوصها وأحداثها، دون رؤية العلاقة مع الواقع العميق. بمثل هذه الحلقات رحتُ اتكشف طبيعة الشخوص الروائية المحورية، وبعضَ جوانب المضمون المتواري المعارض للحقبة الناصرية والذي لم يكن مفهوماً لدينا حينئذٍ، فنحن نفهم النظام الناصري باعتباره نظاماً يمثل اشتراكية البرجوازية الصغيرة كما هي المقولات السائدة في تلك الفترة، ومن هنا كنا نعارضه، ونتوقع أن يكون محفوظاً ماركسياً ومعارضاً لنظام البرجوازية الصغيرة الذي لم يحسم خيار الانتماء للعمال والفلاحين! لكن لم نجد (محفوظ) ماركسياً، فهو يحنُ كثيراً لعهد الوفد، ويعتبرُ البرجوازية النهضوية هي المثال، وكنا نرى ذلك حينئذٍ باعتباره ارتداداً وتخلفاً، فكيف يغدو مثل هذا الروائي مهماً ومركزياً في دائرة النقد ؟! كانت هذه إشكالية ضخمة وكبيرة لوعينا، وكان المضمون المحفوظي هو نفسه محيراً، فهو يرفرفُ على الحارات ويعرضُ معاناة حميدة وعباس في زقاق المدق، واختفاء الأب وضرره على العائلة في (بداية ونهاية) ونرى فيلم (القاهرة ثلاثين) والمكتوب بسيناريو للطفي الخولي، الذي يرأسُ مجلة (الطليعة) والتي كان شعارها (طريق المناضلين للفكر الثوري المعاصر!)، لكن بطل القاهرة الجديدة المركزي هو إنسان انتهازي يقـّود على زوجته ويصعدُ سلالم المجد الحكومي ! وحين قرأنا الرواية وهي كما عنونها محفوظ نفسه بـ(القاهرة الجديدة)، لم نجد ذلك الحجم اليساري الذي أضافهُ لطفي الخولي في الفيلم، ووجدنا الراوية تتركز على بطل اللاموقف والذي يكرر دائماً كلمة (طظ) كما في لغة الراوية وهي بالعامية (طز)! ثم راحت الروايات والأفلام تزيد حيرتنا حول نجيب محفوظ، فهو ناقدٌ مستمر للنظام العسكري الوطني وخاصة في رواية مثل (ميرامار) التي يشكلُ حكايتها من أصوات روائية متعددة، منها الماركسي المرتد، والانتهازي، و(الاشتراكي) الحكومي الفاسد، والصحفي العجوز الوفدي، فنقول نجيب محفوظ مع مَن؟ ونتوجه إلى أن ذلك الصحفي العجوز الوفدي هو صوته الخاص! لكن جرأته في نقد النظام وعدم انسياقه مع الجوقة المتعددة المعزوفات والتي تسّوقُ للنظام وتنقد أخطاءه لكن باعتبارها أخطاء التجربة الاشتراكية كما كان يفعل محمود أمين العالم ولطفي الخولي وغيرهما! كانت تلك الجرأة تجعلنا نحدسُ فقط بوجود شيء متميز عند محفوظ وإنه غير الآخرين . . لم نكن ننتبه إلى مجموعة من الجوانب الفكرية والفنية والسلوكية وهي التي سوف نقرأها على ضوء التطور العام، وعلى ضوء القراءة الجديدة الفاحصة لأعماله . إن الوعي بظاهرة، أي ظاهرة، هو وعيٌ تاريخيٌ، يتشكلُ ويتكشف، عبر فهم العلاقة بين الظاهرة ومجموعة من الحقول، والتي تكشفها سيرورةُ الزمن، ونجيب محفوظ كظاهرة تحتاج لفهمها إلى فهم ظاهرات أخرى خاصة (البناء الاجتماعي العربي)، وظاهرة (النظام الاشتراكي العالمي والعربي القومي). لم تكن قراءة المضامين والدلالات لأعماله تنفصلُ عن قراءة الشكل، فهل كان نجيب محفوظ يتطور في بنيته الروائية؟ كانت كتبٌ مثل كتاب (الشكل في أدب نجيب محفوظ) لنبيل راغب، موضع دراسة بالنسبة لي، حيث يجري فيه تفحص دور الوصف والسرد والحوار وبناء الشخوص والمكان، عبر أمثلةٍ محددةٍ متصاعدة، توضح كيف راح الوصفُ التفصيلي مثلاً يخلي المكانَ للمحةِ والومضة، وصار البناءُ الخارجي للمكان لمحة للدخول إلى الأزمات النفسية والفكرية. كذلك فإن نقاداً مثل(عبدالمحسن بدر) كانوا يزاوجون في عملية النقد بين هذه الأشكال والرؤية، والأستاذ (عبدالمحسن بدر) كان يركز على أن نجيب محفوظ كاتب محافظ ومثالي ديني ، ويتتبع ذلك بأدلة وبدرس لإنتاجه منذ مقالاته الفلسفية حتى رواياته . وكنا نقرأ مقالات محمود أمين العالم (تأملات في عالم نجيب محفوظ)، الذي يدرس جوانب متعددة في أعماله، من الشخوص حتى دور السطح، وإلى الجوانب الفلسفية والاجتماعية في تلك الروايات، لكن محمود العالم الناصري الاشتراكي وقتذاك، لم يكن على تماس عميق مع الروائي الوفدي المتحول إلى منظر للحرافيش لا من حيث جذوره الليبرالية الهامة ولا من موقفه النقدي...
فالدين يلعب في " زقاق المدق" دور المظلة المقحمة وهو فهم ديني محافظ من الناحية الفكرية، ويعطي فكرة الإله حق التدخل في الطبيعة والمجتمع بصورة شاملة، فلم يصل هنا إلى فكرة الإله غير المتدخل وكون الطبيعة والمجتمع لهما سببيتهما المستقلة، وبعدئذ ينقلب على فكرة الإله عمومًا ويجعلها كمجرد لعبة اجتماعية أو مؤامرة، وذلك في رواية " أولاد حارتنا، ويغدو التمثيل الكاريكاتيري لها، ووضعها على جسم الحارة المعاصرة، تنميطًا معاصرًا وهو عدم فهم لفكرة الإله فلسفيا، وذلك يتجلى في التشيئة لفكرة الإله، والتجسيم والتجسيد البشري لهما، لكنه بعد ذلك يعيد فكرة الإله إلى تنميطها المحافظ، وقد رأينا كيف كان عامر وجدي في " ميرامار" يتحدث دينيًا، ففكرة الإله غدت مرة أخرى متداخلة في العمليات الاجتماعية بشكل مباشر.
[ نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، عبد الله خليفة، ص ٢١١-٢١٢، الدار العربية للعلوم ناشرون].
= هذا رصد من العلماني عبد الله خليفة لتطور فكرة الإله عند نجيب محفوظ وتجلياتها في أعماله الأدبية، وكما يُلاحظ فإن وجود فكرة الإله المهيمن على الكون والطبيعة في بعض أعمال محفوظ تزعج عبد الله خليفة، فهو يرى أن الكون والطبيعة تعمل بأسبابهما الخاصة! وكأن تلك الأسباب أوجدت نفسها بنفسها، فالأجزاء النقدية عند خليفة لنجيب محفوظ تكرّس لمضامين أكثر فسادًا من الترميزات الدينية لنجيب لمحفوظ في أولاد حارتنا أو الطريق أو الحرافيش أو غير ذلك من الأعمال، فهنا خليفة يتهم محفوظ أنه لم يفهم الإله فلسفيًا ( والأولى أن يقول دينيًا/ عقائديًا)، لكن لماذا لم يفهمه محفوظ بتصور خليفه؟! لأنه جسد الإله وشخّصه في أولاد حارتنا والإله ليس مادة كما يقول خليفة، وهكذا دون أن يحرر خليفة مفهوم المادة، فكثيرًا ما يستعمل البعض مفهوم المادة لنفي كون الرب له ذات مستقلة متصفة بصفاتها مستوية على العرش فوق السماوات، ويعدون ذلك توصيف للرب كونه " مادة" أو " متجسد" أو " متحيز"، مع أننا يمكن أن نقول أن محفوظ لم يجسد بل قام بالترميز، من هنا تصور خليفة أن الحرافيش تجاوزت هذه الإشكالية، إشكالية التجسيد، مع أن نفس الترميز حاضر أيضًا في الحرافيش لكن دون إشارة للذات الإلهية برمز كالجبلاوي [ تعالى الله عز وجل عن ترميزهم علواً كبيرًا].
فالشاهد أن خليفة في رصده لأعمال محفوظ رصد ترميز محفوظ في رواياته عند معالجة " السلطة السياسية = النظام الناصري" و السلطة الدينية = الرب عز وجل و الأنبياء" ، وبتفسير جهنّمي من خليفة قال بأن فكرة الإله المتداخل في كل شيء تتوافق مع المجتمع الدكتاتوري، وبالتالي محفوظ مقصر في نظر خليفة لأن نقد شمولية الدين لم يأخذ حقه في أعماله، وهكذا جعل خليفة الرب- عز وجل- مرادفًا للحاكم الدكتاتوري، لأنه في الحقيقة يريد ما يسميه بالدين الديمقراطي فيه رب هلامي ليس له كينونة، وطبيعة تعمل ذاتيًا من تلقاء نفسها، تعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا. نجمتان فقط لبعض تحليل الروايات الجيد