تحليل جديد - يعتمد علي أطر نظرية كلاسيكية ومعاصرة - لصور التفاعل بين أشكال المقدس وأشكال الحياة العلمانية، ولعمليات التجديد الديني في ظل التحول العلماني الكبير، والنزعة الإستهلاكية المفرطة، وما ينتج عن ذلك من صراعات في العالم المعاصر. عبر هذا الإطار العام، يحاول الكتاب أن يستجلي أشكال المقدس التي لم تعد - كما يذهب المؤلفان - دينية فقط، بل إمتدت إلي تقاطعات عالمي الاقتصاد والسياسة مع التطورات في العلوم الطبيعية خاصة علم البيولوجيا؛ كما يستجلي الممارسات التي يتم من خلالها التعبير عن هذه الأشكال بدءًا من تعبيرات ورموز الجسد وحتي التجمعات العامة، وصور الهيمنة التي تمارسها النظم السياسية والثقافة الاستهلاكية. ويكتشف قارئ الكتاب أننا بصدد سوسيولوجيا للدين أو للمقدس جديدة، وأن الموضوعات والقضايا التي تطرحها هذه السوسيولوجيا من التعقيد والتنوع بحيث تحتاج دائمًا إلي تأملات جديدة.
يطرح هذا الكتاب عدة أسئلة مهمة، ولا أزعم أنه يجيب عليها جميعًا، ويعتمد على أعمال كبار المُنظرين الاجتماعيين وأطروحاتهم، مثل ماكس فيبر ودوركايم وبيير بورديو، وعلماء الأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم النفس الاجتماعي، ويعرض الردود عليها، زاخرًا بالجدليات التي يحتاج كل منها إلى قراءة منفصلة، ولكنه مع ذلك لا يخلو من إفادة وطرح للمواضيع المفيدة للمهتم بعلم اجتماع الدين.
يتناول الكتاب موضوعًا أساسيًا تتفرع منه عدة أسئلة، الموضوع يدور حول تفاعل العلمانية مع الدين، وفي هذا الإطار يطرح السؤال حول الاختلاف بين الدين والمقدس، معتبرًا أن العلمانية ليست قطيعة مع المقدس ولكنها قطيعة مع الأنماط الدينية منه فقط. وعلى هذا فإن للعلمانية مقدساتها الخاصة، التي يقدسها الناس دون أن يصرِّحوا بذلك، ويخضعون لسلطة علمائها وساستها (رجال العلمانية مقابل رجال الدين) ظنًا أن هذا طبيعي، أي دون وعي بهذه السلطة، فماذا إذا طرحنا أن المتدينين يتبعون السلطة الدينية تمامًا كما يتبع العلماني السلطة العلمانية بداهةً دون تساؤل، فكيف نفسر تلك الظواهر إذًا؟ وكيف لم تهيمن العلمانية بالقضاء على الأنماط الدينية من المقدس بالكامل؟ إذا كانت الحداثة وإطارها الفكري (العلمانية) تتعارض بالضرورة مع الرؤية الدينية المتقادمة عن العالم، كيف تمكن الدين من النجاة بنفسه حتى هذه اللحظة في تلك الفترة من التاريخ؟
يقسم الكتاب أنماط المقدس إلى أربعة: المقدس الاجتماعي الديني ويعني مظاهر حضور الدين في الاجتماع وتفاعل كل منهما مع الآخر ويتمثل في الإسلام، والمقدس المتعالي، ويشمل صورة تتشابه مع الديني الاجتماعي من حيث الإيمان بمفارق، ويختلف عنه في أنه صورة أكثر تجريدًا من الحالة الاجتماعية الدينية لا يربط أفراده سوى المقدس دون الاهتمام بالشعائر الممارسة اجتماعيًا كالصلاة أو حضور الكنائس مثل البروتستانتية، والمقدس البيوسياسي والمقدس البيواقتصادي، ويعنيان كيف تستخدم السياسة والاقتصاد البيولوجيا بصفتها المرجعية الجديدة للتحكم في قرارات وأجسام الأفراد، فبدلًا من استشارة الشيخ أو القسيس في اتخاذ قرار الإجهاض أم لا ستستشير الطبيب، وبدلًا من الاستخارة للموافقة على الزوج، ستذهب الفتاة بالرجل إلى أقرب وحدة صحية لإجراء اختبارات جينية للتحقق من خلوه من الأمراض الوراثية، هكذا نرى التحول من تقديس المرجعية السماوية المتمثلة في الشيخ وكلمات الإله، إلى مقدس علماني وضعي، يستمد مشروعيته من الأبحاث والدراسات، لا من الوحي.
يبني الكتاب أطروحاته على افتراض ضمني أن طبيعة الحداثة تسببت في تجريف الطبيعة الشعائرية للدين، ويمكنك التحقق من ذلك بالنزول للمسجد في صلاة العصر لتجد صفين من المصلين، ولكن في نفس الوقت، ونظرًا لما يفترضه الكتاب أن الإنسان لن يتخلى عن مقدساته، أو لن يستطيع الحياة دون مقدسًا، فقد اندثر الشق الشعائري التعبدي للدين، ليحل محله الشق الاجتماعي الرمزي له، فالردة القوية لارتداء النساء في مصر للحجاب منذ السبعينات حتى قريبًا بعد أن جرى العرف على خلعه بعد الفترة الليبرالية، تُعبر في جانب منها على استجابة هؤلاء النساء للدعايا الدينية التي قُدمت بغزارة في تلك الفترة، بمباركة سياسية بالطبع، ولكنها تعبر أيضًا عن موقف ذاتي ضمني بقابليتهن لرفض مُثل وقيم الحداثة، فهن اخترن الحجاب بشكل ما بإرادة ذاتية، إذ لم تفرضه الحكومة أبدًا في مصر كما فعلت حكومة إيران والسعودية على سبيل المثال، وهذا الرمز الاجتماعي يشير إلى تكوين التشكلات الاجتماعية ورغبة المتدينين ببنائها على حساب الانفراط الاجتماعي الحداثي والتباين الهيكلي في المجتمعات الحداثية.
وعلى هذا فإن مجموعات تشجيع كرة القدم شكلًا من الأشكال العلمانية للمقدس، إذ يُظهر الأفراد فيه تعلقًا بالرموز الرياضية والأسماء الكبيرة من اللاعبين حد التقديس وقتال الناقدين للاعب الأسطوري الهابط من السماء لإحراز الهدف، فقط ليشعر الأفراد بالنتماء لكيان وجماعة اجتماعية تفوق ذاتهم الصغيرة.
وبالمثل فإن الأديان لم تتعارض بشكل مطلق مع الحداثة، بل تفاعلت معها عن طريق استخدام وسائلها الاقتصادية وخاصة الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية لتمرير الأزياء الدينية في صورة عصرية على سبيل المثال، فيشعر المرء في هذه الحالة بالرضا عن الاستهلاك كونه فردًا عصريًا حداثيًا، وبالطمأنينة الدينية عن المُنتج الذي اشتراه. وكذلك فإن الإسلام على وجه التحديد قد استخدام وسائل الدعايا والإعلام والأبواق الحداثية، وأبرزها الإنترنت والتلفيزيون للتسويق لأفكاره في صورة مهجنة ومتناسبة مع طبيعة المنصة التي يُعرض فيها المحتوى، فلم يتقادم تمامًا، وأظن أن المتدينين ممن يطلقون على أنفسهم دعاة يدركون ذلك بعمق، فلا يتحرجون من استخدام تلك الأبواق والمنصات وقد يسبون صانعيها عليها في آن. وكذلك لا تنفك ظاهرة الدعاة الحداثيين "الكيوت" التي يسخر منها البعض أن تظهر على السطح كأحد أعراض تفاعل النمط الديني من المقدس مع الأنماط العلمانية منه.
يثير الكتاب أسئلة كما ذكرت، ولا يطرح كثيرًا من الأجوبة، ولكنها إشكاليات ضرورية للتفكير ومزيد من البحث على أي حال. الكتاب صادر عن المركز القومي للترجمة حديثًا وأظنه موجودًا في معرض الكتاب، ولكن الترجمة كانت أقرب للرديئة منها للجيدة.