مع ازدهار أدب السيرة الذاتية في القرن الماضي والاعتراف به كنوع أدبي؛ شاعت النظرية القائلة بأن هذا اللون هو نوع أدبي غربي خالص لم يعرفه غيرهم. يحاول الكاتب عبر فصول الكتاب دحض هذه النظرية معددا الأرث العربي الكبير في مجال الكتابة الذاتية، مستنكرًا الأراء العرقية التمركزة علي الغرب، فحاجة الإنسان الدائمة للتعبير عن نفسه والبوح بتفاصيل حياته لا تقتصر علي الإنسان الغربي وحسب، الأمر أن الشعوب السابقة لم تلتزم بالنموذج الذي أقره السيد الأبيض بعدها. مستشهدًا بكتاب الاعتبار لأسامة بن المتقذ يقدم الكاتب للمؤلف ثم الكتاب الذي يعد مخطوطة فريدة كتبها بعد سن التسعين، وتعتبر سيرة ذاتية حربية تشابكت فيها فترة الحروب الصليبية مع تفاصيل حياته. مختارات من الكتاب الأصلي كانت قليلة جدا للأسف، وجاء الكتاب مخيب للآمال في هذا الجزء، وكنت قد توقعت أن الكتاب تحقيق لسيرة أسامة بن منقذ الكتاب هدية العدد 137 من مجلة الدوحة
أول الكتاب فيه تكرار سخيف، بعض الفقرات منقولة بنصها مع اختلاف آخر سطر، لدرجة إني في البداية فكرتها غلطة طباعة.
يأتي الكتاب في ٣ أجزاء:
في الجزء الأول الكاتب بيشرح فكرة إن السيرة الذاتية (أدب التراجم والسير) هو فن قديم جدا في الأدب العربي، وظهوره الأول مكنش في الغرب كما يدعي البعض. وكذلك بشكل أكاديمي نوعا ما بيشرح ما هي السيرة الذاتية، وبيعرض لآراء من تكلموا عن خصائصها.
وفي الجزء الثاني بيقدم لكتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ، وبيناقش هل يصنف الكتاب بأنه سيرة ذاتية أم مذكرات؟
الجزء الثالث والأخير هو مقتطفات من كتاب (الاعتبار) نفسه، كتبه صاحبه على خلفية الحروب الصليبية. وهو ماذكرني بأن كتاب الحروب الصليبية كما رآها العرب لأمين معلوف مركون في المكتبة من زمن وربما آن الأوان لقراءته.
الكتاب في مجمله جيد، ربما خارج إطار اهتمامي بشكل شخصي. وأعني بجيد إنه مكنش ممل بما سمح أن أنهيه، ولا أدري على المستوى الأكاديمي هل هو قيم أم لا.
سألتني: ما الفائدة من قراءة السيّر، ومعلومات عن شخوص قد عاشوها، وكل ذلك يخصهم هم؟! قلت: في قراءة سيرهم مشاهدة لحالهم في السطور، وثقل الخبرة في الحياة يزداد بذلك، والكثير والكثير. فأنهت الحديث على مضض، وانتهيت أنا منها في ذلك.
في كتاب (ترجمة النفس): السيرة الذاتية عند العرب في العدد 94 من مجلة الدوحة، والتي تثبت في كل عدد جديد إضافة جديدة لمكتبتي الخاصة، وعشرات الكتب المذكورة في كتابها الصغير الملحق بالمجلة.
في الكتاب:
الكتاب ينقسم لجزئين:
-الأول، من الترجمة والسيرة، وبعض العلماء العرب وسيرهم، وعن ما صنفه علماء العرب في أحوال أنفسهم وعناوين كتبهم (التحدث بنعمة لله للسيوطي، التعريف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا، الاستشراق لإدوارد سعيد، السيرة لعبة الحياة لخالد فؤاد طحطح، وغيرهم) وعن مغالطات المستشرقين، وأصل هذا النوع من الأدب "أدب التراجم والسير" وأصله العربي، وكما هو الحال في الكثير من العلوم!
-الثاني: عن كتاب "الاعتبار" وهو سيرة ذاتية لأسامة بن منقذ. يتعرض الجزء الأكبر من (ترجمة النفس) لكتاب "الاعتبار" وتعريف بالكاتب، وبعض مواقفه، وعلمه وحروبه، ونشأته.
بعض أحوال حماة بسوريا، ومصر والسودان، وعهد صلاح الدين الأيوبي.
عن تدمير "الإفرنج" لأمواله، وكتبه فيقول:
"فهون علي سلامة أولادي، وأولاد أخي، وحرمنا ذهاب ما ذهب من المال، إلا ما ذهب لي من الكتب، فإنها كانت أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة، فإن ذهابها حزازة في فلبي ما عشت. فهذه نكبات تزعزع الجبال، وتُفني الأموال. والله سبحانه يعوض برحمته ويختم بلطفه ومغفرته..."
كتاب جيد، ومهم، ويستحق القراءة، وتدوين كل ما فيه للبدء فيه، النظر إلى أدب السير والتراجم نظرة أخرى، التشديد على أهميته، ومطالعته.
إلا أنني تمنيت لو كان أكثر من نصفه عن موضوعه، وعدم الحديث عن كتاب بعينه، لأكثر من نصف الكتاب، ومع ذلك فالكتاب الذي يتحدث عنه مهم، إلا أنه يكفي لو قرأت الكتاب بدلًا عن ذكر فصول منه أو "مختارات" وكان باقي الحديث عن باقي السير والتراجم، أو أكثر مما ذكر؛ لأن الحديث عن السير والتراجم لن يكفيه كتاب!