لم تسأل ذاكرة الجنوب أن تسجّل سنوات الآه تلك، بعد أن تفطنت إلى المكر في خطاها.. أخجلتها الغفلة، وساء الجنوب الشامخ أن يكون لعبة بيد الشمال.. رفضت حقبتها الرفوف، ولفظتها الحروف. تنكرت لها الثنايا وقد شهدت وقائعها، وخطّ الزمن على جبينها وصمة.. ربما أراد الجنوب بهذا القرار أن ينتقم من غفلته.. أو لعلّه أمل أن يعود الحمام إلى سمائه، فتصفح عنه التربة ويطمئنّ إليه النخيل...
رواية نبشت في التاريخ القديم، في الجنوب وأهوال حرب عام عيشة، عيشة التي تنحدر من عرش الركاركة، قد أحبّت محمّد من قبيلة المرازقة، ورغم إصراره على خطبتها من أبيها، ولكنّه قُبل بالرفض في أكثر من مرّة، وأهين أعيان عرشه فقرّر أن يخطتفها في واضحة النهار، وكانت الفاجعة، الجميع بدأ يستعدّ للحرب دون أن ينتبهوا لدسائس باي المحبّة آنذاك.. دمّرت الحرب قلوبا كثيرة، ما عاد للإنسان أيّ قيمة لديهم،في سبيل الدفاع عن الشرف والعرف، كان الحقد يعمي أعينهم عن الحقيقة، أصبح فخرا أن يُقتل لك ابن وسط المعركة، لم يأبهوا لدعاء يمامة التي فقدت وحيدها، ولا لوالد الحسين الذي أصبح يحمل الدم في قربتين وينتظر من يشتريه.. كشفت الكاتبة عن دمار تلك الحرب، وقعها على نفوس الثكالى والعجائز، عن الرؤوس والأجساد الملقاة في ساحة الحرب، حتى أصبح الأمر عاديا ولا يثير في النفوس أيّ حزن عدا أهل المقتول.. انشغل الناس بالقتل والحرب ولعنوا عائشة ليلا نهارا، لعنوا ذريّتها ولم يأبه والدها لعاطفة الدم التي تربطه بابنته، كانت القضية بالنسبة إليه، قضية شرف، لا ينظر للمرأة آنذاك سوى أنّها جسد وعلى القبيلة أن تحميه، لا وجود لروابط عاطفية أو إنسانية، حتى يصل بهم الأمر أن يقتل الخال ابن أخته طالما ليس في صفّه.. كانت قلوبهم متحجّرة خالية من أي عاطفة أو إنسانية..