أتدري؟ لطالما اعتقدت بأنّني "ظلّ" كأن تصفّق مثلا بكلتا يديك فأختفي أو تسكب لنا كوبًا من الشاي فأشربه على عجل وأخرج من الباب دون أن أعود لطالما اعتقدت بأنّني وُلدت لأبقى واقفة فلا مكان لي على طاولة الخمسين مثلًا لهذا كنت أحتفظ بمعجون الأسنان داخل حقيبة سفر.
نشرت في الأيام الأخيرة الصّديقة إيمان ريّان كتابها "ذبابة مايو" على صفحتها في فيسبوك كملف Pdf مجانيّ ومتاح لكلّ القرّاء والمتابعين، معلّقةً بأنه ربما لا يستحق أن تقطع لأجله شجرة، كي يصير كتابًا من ورق. ورغم أنني لا أفكر أبدًا بالقراءة الإلكترونيّة، إلا أنّ إيمان لطالما كانت قلمًا يتوازى مع ذائقتي الأدبيّة، الكتاب عبارة عن ٦٧ صفحة، يعالج مواضيع عدّة كالحزن والوحدة والحبّ والحرب والموت والفراغ بحساسيّة مرهفة، وحسّ إنساني ملحوظ، اسمتعتُ جدًا به، وأحببته، وأحبّ لو يصير كتابًا من ورق، لأنّ بعض الكلمات تستحقُ أن يقطع لأجلها شجرة ضخمة. اقتباسات: الموت الذي يأخذ منّا كل السيناريوهات الممكنة لـِ "توقف! كنت أرغب أن أقول لك..." ** كانت تخبرني حين أطلب منها أن تتوقف عن المزاح بأنها تشعر أن كل ما حدث لها قد حدث لفتاة أخرى أو أنها إن نظرت للأمر بهذه الطريقة لن تعود تشعر بالألم بعد الان. ** أوقّع على ورقة زواج أو طلاق أو تأجيل فصل جامعي أو منحة بعيدة أو وفاة جدتي أو تبرع بأعضائي أو أمر حبس منزلي بالسهولة نفسها. ** في العالم مئات الوصفات كي تحصل الفتاة على معدة مسطحة أو شعر أطول أو عيون واسعة كيف نبدو أطول أقصر أصغر أكبر لكن لا طريقة واحدة طريقة وحيدة لجعل قلب فتاة حزينة واحدة يتوقف عن الركض! ** في حياة كل منا ألم لا نفلت منه مهما أسرعنا بالركض يمسك بنا رغم أننا وضعناه في اخر الرف. ** أحلامنا مقابر لكل الذين اخترنا أن نهجرهم دون كلمة وداع واحدة.
رغم أني من الأشخاص الذّين يرفضون القراءة الالكترونيّة، إلّا أنني لا يُمكنني تجاوز إنجازات أصدقائي وأفراحهم. قررت إيمان نشر الكتاب الكترونيًا لقولها أنه لا يستحقّ قطع شجرة، لكن في نظري هذا الكتاب كان يستحق أن يكون بين دفتيّ كتاب. ذبابة مايو، عبارة عن كتاب يُقرأ بجلسةٍ واحدة، لست بحاجةٍ لأكثر من نصف ساعةٍ لالتهامهِ، إيمان الصّديقة التّي تعرف كيف تربتُ على الجرح بكلماتها، تعالج بهذا الكتاب العديد من المواضيع، المحبّة، الفقد، الموت، الوجع، الوحدة، العزلة، الاكتئاب. هذهِ بعض الاقتباسات: - في الداخل عجوز بوجه مستطيل مقوّس الظّهر يحشو صدره بالقطن كي يوقف نزف قلبه الأزرق كل منا يقاتل قلبه الأزرق يحشوهُ بالقطن وينظر في عينيّ الموت كلّ يوم ويقول له: "اليوم ليس يومك" -قد تفعل أي شي قد تكتب رواية يلتقي فيها حبيبان قد ترسم لوحةً عظيمة أو قد تغني ما تجعل قلوب العالم تتحطّم لكن لا شيء لا شيء يذكر يُغنيني عن أن أكون بجانبك. -من الجميل جدًا أن تشارك وحدتك مع أحدهم صديقٌ مثلًا لكنك تعلم بأنه لن يرحل أبدًا فأنت لا تخبره أيًا من أسرارك ولا تهاتفهُ ليلًا لتخبره بأنك بحاجة للبكاء. -يعلّمنا الموت أننا هنا وهذا يعني أن نضغط بإبهامنا بكلّ قوّتنا على قلوبنا التّي تخبرنا بأن كلّ شيءٍ سيذهب للأبد يومًا ما. -نحنُ نفلتُ من يد الموت حين يحملنا أحدهم في داخله فلا نغيبُ حين نرحل إلى الأبد.
كَيف يمكن أن يرحل أحدهم بكل بساطة كما لو أنه ذاهب لشراء كوب من القهوة من دون أي جلبة تسبق فعل الموت يجعلنا الموت نودع من نحبهم في كل مرة كما لو كان هذا هو الوداع الاخير عزيزي: عانقني قبل أن ترحل ولا تتأخر في العودة مساءً.
أرغب جداً في قراءة الكتاب الثاني "كلبة بيتبول تدعى Be " كتاب لطيف يتناول عدة موضوعات الموت ، الحب، الوحدة. باختصار : كتاب لخص ما يجول في خاطري. لا أظن أنّي سأحذفه من قائمة الكتب الموجودة في هاتفي. أرجو وأتمنى قراءة المزيد مثل هذه الكلمات.