عقلي يذهب فلاش باك، أتذكر الآخر، الذي قابلته في أول إلحياة في أول العمر، يوم أمسك نهدي بقوة وغضب، وقال: - جلدك هذا، سوف يشهد عليك! يومها أخذ الجاكت بعصبية من على الأرض ولبسه، بينما كنت ألملم جسدي بعيدًا عنه، وقف وأكمل كلامه: - جلدك وسمعك وبصرك. نظر إلي وكأنه ينتظر شيئًا، وكأنه سيلقي يوم القيامة في عيني الآن. انتظر هو، وأنا كنت جامدةً، ألقى نظرةً أخيرة خاوية على جسدي. انتفضت وهو يغلق الباب بعنفٍ خلفه، بكيت ليس لأنه صرخ، ولكن لأن القيامة لا تقوم حقًا متى نريد ذلك.
لو هتكلم بشكل عام: الكاتبة عندها قدرة على كتابة قصص تخاطب مستويين مختلفين جدًا. أحيانًا بتتكلم بتفاصيل واقعية بتاعة مؤلف منغمس في تجارب وتفاصيل الناس بكل واقعيتها. وأحيانًا بتكتب بفانتازيا رمزية بتاعة واحد عايش سنين في برج عاجي، واحترف تصميم عالمه الخيالي الخاص. من النادر الاجتماع بين الاتنين. بخصوص الأسلوب واللغة: أي مؤلف شاب في أول كتاب أو كتابين، بيبقى عنده مشاكل في التحرير الأدبي. وبيبقى كل كام صفحة بتفلت منه تعبير ركيك، أو تكرار مفرط لكلمة (كان)، أو ما شابه. بالنسبة لسعدية عبد التواب، مفيش الكلام دا خالص. يعني ممكن القصة متعجبنيش لموضوعها، لكن مفيش شوائب تتعلق بالأسلوب واللغة.وكمان أغلب القصص اللي معجبتنيش، بتكون لأسباب تتعلق بذائقتي. ومتأكد إن ناس تانية بيعجبهم الكتابة القصية المتشظية أو البروتريهات المرسومة بالقلم. أو الرمزية.. إلخ. لكن أقله زي المجموعة القصصية اللي فاتت (اللي كانت تجربتي الأولى مع المؤلفة)، أعتقد إني بخرج بأربع أو خمس قصص جميلين، بيتعلقوا بذاكرتي لمدة. باختصار، بعتبر أعمالها من أقوى ما يمكن إن قاص شاب يبتدي بيه مشواره. لو هندخل في التفاصيل: - القصة الأولى (عبد بيه) بغض النظر عن تصوير المشهد اللي محبش أخلي أختى أو بنتي تقرا مجموعة قصصية بتبتدي بيه أو تتضمنه. لكن عندي مشكلة إن العمل بيحتوى بورتريه ومشهد صادم لكن مفيش قصة كاملة بمعنى (قصة). - (حطايات كاذبة) ما بين الخاطرة والقصة. فيه ناس بتحب النوعيات جدًا، وبحترم ذائقتهم، لكنها مش بشاركهم إياها. - (الهول): تنحصر في مشهد أيروتيك، للأسف فشلت حتى في فهم نهايته. - (بلا رائحة) عجبتني مش عارف ليه. عالمها رغم إنه أقرب للحلم. لكنه تفاصيل زي واحدة تقابل واحدة تعرفها من الفيس، خلت الموضوع مألوف، لإننا بنمر بيه من وقت للتاني. - (نصف حياتي): مفهمتش جزئية (إن الطفل اللي تم اجهاده بتقول الأم إنه جايز يكون الأب أي عابر ف الطريق)، هل تم اغتصابها يعني؟ المسألة دي مبتورة مفيهاش حاجة وضحتها قبل ولا بعد. لكن القصة دي بالذات حسيتها مليانة بدفء، وتفاصيل واقعية. بالذات نقطة إنه اتفاجئ بأنه على علاقة بيهم، لكنه مفكرش يتوقف أبدًا عشان يسأل عن تصنيف أو نوع العلاقة. وإن السبب يعود لإن العلاقات المريحة كدا، مبيكونش فيها ضغوط تستدعي للتوقف للتساؤل. - (المانيكان) فكرة مبتكرة ملعوبة. التنفيذ والقفلة مقبولين. - (الراوي العليم) من الجميل إنها اخدت القارئ لناحية، وفاجئته في آخر سطرين بقضية تانية خالص. قضية ميقدرش حد يقول إنها مقحمة. بالعكس.. لايقة النهاية. - (لقيمات مشبعات). أنا بنتمي لقرية، والقصة مغزولة على طريقة القصص الشعبية في حكاوي السمر. القفلة واخدة طابع فانتازي يليق بنهايات الأساطير الشعبية المتداولة. حلوة. - (تفاحة الجاذبية): جميلة برده، حلوة فكرة إننا نتطرق لفكرة كراهيتنا الناس اللي معندناش أي سبب موضوعي لكراهيتهم. - (عملة شارون) واحدة من القصص الدافئة برده. واقعية وصادقة، رغم اعتمادها بالإصل على أسطورة إغريقية. - (معمول لها عمل). قصة سهل نتقبلها باعتبارها شبه نوعية قصص حديث الجارات، اللي بتنتهي بنهاية بينال فيها الظالم عقابه. أقصد وصفها كـ (طابع حواديت الجارات) كحاجة حلوة مش وحشة. - (يوم الاثنين): تلت قصص منفصلة حاولت يتم الجمع بينهم برابط مكانش كافي أوي. بس منزعجكتش منه. - (دنيا): خاطرة. - محبتش الرمزية شبه الكاملة اللي في (السحب الصناعية) لكني حبيتها في (العقاب). (أم وسبع بنات) عاجبني الوصف لكل بورترية لشخصية، بس مفهمتش الرابط كقصة بينهم. - (داليدا): عجبني جدًا تناول قضية شائكة زي (شبهة تحرش مدرسة بطفل) بطريقة سلسة بدون أي فجاجة. - نفس الوصف ينطبق على قصة (يحدث فقط للآخرين)، باستثناء أربع كلمات في القصة الأخيرة. القصة سلسلة وإنسانية رغم القضية الصعبة.