ما نجهل من أزرار أكثر ممّا نعرف، ويتحكّمُ أغلبها بمصائرنا. زرٌّ لتفجير قنبله. زرٌّ للحصول على دور في طابور. زرٌّ لمكالمة حبيب أو عدوّ. زرٌّ للفرجة على الفظائع. زرّ للصعود وآخر للنزول. زرّ للقهوة وزرٌّ للحليب. زرّ للتسخين وآخر للتبريد. زرّ لتثبيت ذكرى وزرّ لمحوها. زرٌّ لقبول صداقة أو لرفضها، وزرّ لتغيير الحالة العاطفية.
تفقدتُ حقيبة ظهري. قارورة ماء، بسكويت للقرمشة ولوحة اللّمس الذكية وسمّاعتان. وكتاب يتيم أغراني عنوانه، انتزعته من واجهة مكتبة شارع الحبيب بورقيبه منذ أيّام، لتخفيف الرحلة.
أغلقتُ الحقيبة وعاودتُ تأمّل المقعد. كان الزرّ في مكان ما.
أحببت الرواية و خاصة أسلوب الكاتب السلس و ممتع الموضوع جرئ , شيق و شائك في ذات الوقت الوصف في الرواية دقيق لدرجة أنني استطعت أن اتخيل معظم المشاهد و كأنني أراها تمكن الكانب من نقل الحالة النفسية للشخصيات بدقة و انتقل من داخل الشخصية الي وصف العالم المحيط بها ثم يغوص بنا ثانية في العالم الداخلي للشخصيات بطريقة رائعة .مكنتني من التعايش و التماهي معها . أكثر ما أعجبني في الرواية هو الانتقال في السرد من الخاص الي العام و من العام الي الخاص دون أن تكلف فالكاتب ينتقل من الحديث عن شخصيات الرواية الي .نقل صورة عامة أو حالة البلاد الاجتماعية و السياسية ثم يعود للرواية مرة أخري بكل براعة . تم مجز الواقع الحقيقي للبلاد بواقع الشخصيات مما جعلها أكثر قرب من القارئ جعل الكاتب النهاية حلقية حيث أحالنا الي عنصر البداية و هو الزر الحركة الدائرية توحي بان بقلب كل نهاية بداية جديدة كما توحي بان الصراع لا يزال مستمرا في داخل الشخصيات التي لا تزال تبحث عن نفسها . يحدثث ان تكون الازرار محرك العالم في غفلة منا
"يسكنني شخصان، يترصّدُ الواحدُ الآخر. تناقضٌ نحت شخصيّتي. ولا أنكرُ، أنّه منحني السعادة في لحظات الوحدة تلك".
في تشريح للعلاقة التي تجمع بطل النص بأطراف عديدة يأتي الحديث على لسان "مروان" في جزء منه وفي جزء آخر يأتي على لسان زوجته "فاطمة" ويعيد كلاٌ منهما تشريح مواضع النبض في العلاقة وتحليل كل العوامل والجوانب العامة والخاصة فيها والإشارة الى الأطراف الخارجية التي لعبت دوراً ثانوياً في دمارها، ويشرع النص ببطله على متن القطار المتوجه الى "المنستير" قاطعاً ضواحي "تونس" للوفاء بموعد مع حبيب قديم، وينقل لنا خلال تأملاته للمشاهد التي تقطع به داخل مقطورته صوراً مختلفة من حاضره وماضيه عن شكل الحياة والأفراد وطبيعة الحب والزواج والصداقة والعلاقات العاطفية التعسفية والإنجذابات الجنسية والتوجهات المثلية في تأمل الجسد وتنظيره، ويخلق "برنوصي" بلغته الناعمة والرشيقة عالماً مبهراً يفضي إلى تأمل شكل العلاقة داخل سياق النص بين شخوصه وأبطاله ويقرأ في طابع البشر وميولهم الجنسي والحقائق التي تعيش داخل أغوار النفس وتفضيلات الفرد الجنسية، بينما يظلل "زهير" سماء تلك العلاقة كطرف ثالث يلعب لعبته في ذكريات الزوج "مروان" ويشارك "فاطمة" زوجته في فراش الزوجية.
بين ضواحي "تونس" وشوارعها وأزقتها ومحطات القطار التي تصل بين مدنها تسير أحداث هذه الرواية دفعة واحدة ويعيش أبطالها أزماتهم الخاصة التي تتداخل مع جو المدينة العام واهوائها لتكون ملعباً فسيحاً لكل ما يجري في تلك العلاقات العاطفية/الجنسية المتضاربة، وليكون عرش الزوجية المتزعزع شاهداً على كل الأحداث والتقلبات والمصائر التي تجمع وتفرق بين أطراف تلك العلاقة وذكرياتهم المشتركة وماضيهم السحيق، ويصارع كل طرفاً على حدى مخاوفه الخاصة حيال الإنجاب والزواج والعيش المشترك والعلاقات الشرعية والغير شرعية والممارسات الجنسية وذكريات الطفولة الهشه والحقائق المغيبه داخل سراديب الذات.
بينما تتخبط "فاطمة" في سراديب علاقتها الزوجية وبين عملها كمذيعة في الراديو وبين الحمل الذي تخفيه عن زوجها وبين تلك العلاقة الحميمة الطائشة التي حصلت لمرة واحدة مع زميل لها بالعمل وجعلتها تعيش حالة قلق حيال أن يكون ذلك الجنين الذي يتكور في بطنها من نطفته هو وليس من صلب زوجها، وعلى الجانب الآخر يرتحل "مروان" في القطار المتجه الى "المنستير" لموعد مجهول، مراجعاً ذكرياته الطفولية ومغامراته الجنسية وآرائه حيال الزواج والإنجاب والعلاقات العاطفية والتوجهات الجنسية، وعارضاً موقعه داخل محيط قفص الزوجية الذي يتشاركه مع "فاطمة" ويعيش داخل منحنياته.
لا أنكر أن النص غارق في عرض وتشريح صور مختلفة من حالات الشبق والمشاهد الحميمة ومناقشة المسائل الجنسية في مواضع كثيرة منه، إلا انها لا تلغي عبقرية السرد ولطافة التعابير في لغة "برنوصي" وتحليله لمفاهيم عديدة مرتبطة بكل تلك المشاهد والصور واللخبطة بالأحاسيس والعلاقات التي يعيشها أبطال النص، كذلك جملة تلك المشاهد توضح شكل الروابط المتعددة التي تصل بين شخوص الرواية، وتأثيرها على طابع العلاقة الزوجية وتلك العلاقات الثانوية التي لعب بها الزوجين دوراً ما في مرحلة معينة من مسار الزمن الخاص بهما، وأصبحت تاريخاً يتداخل مع واقع علاقتهم الحالية، القراءة داخل النص بالمجمل كانت خفيفة وممتعة ومشوقة ومثيرة نوعاً ما، ولغة "برنوصي" اللطيفة جعلتني أجري داخل فصول النص دافعاً مسار الوقت فيه دون أي ملل حتى الوصول إلى الصفحة الأخيرة منه.
- إن جودة الحديد منقولة من مناجم تونس المستعمرة الفرنسية آنذاك ساهمت كثيرا في صمود البرج
- أعرف ألا وجود العلاقة حرة العلاقة بين شخصين تعني ارتباطا ولو في نقطة واحدة والحرية انفصال كامل
- الزيجات تبدأ على هذا المنوال بجع ودود في البداية و ديوك ومتصارعة في الختام
- الحميمية أول شي نفقده بعد الزواج. تفقد القبلة معناها تصبح عملية التقبيل مجرد ختم على جواز بمحطة عبور ويصير الجلوس مع زوجتك على مائدة واحدة واجبا مدرسيا عليك أن تنجزه
- يتزوج الأشخاص لأجل الرغبة الجنسية أولا. لكنني اكتشفت أن الرغبة تنتهي بعد أشهر وتصبح مثل أي حاجة طبيعية أخرى للأكل والشرب والنوم وقضاء الحاجة بل يصبح قضاء الحاجة أكثر متعة من مضاجعة امرأة. أعرف أن ذلك سينقش مثل ضباب مع الوقت
- مذبحة سيربرينيتشا و المتهم رادوفان كارازيتش
- النزوة تجربة جنسية عابرة و لمرة واحدة. اما الخيانة فنزوة متكررة
- لقمع شيء في داخلك عليك ان تمارس نقيضة
- من المستحسن أن تكون وحيدا على أن تحظى برفقة سيئة
- اعتقدت أن المومسات أكثر مقدرة على معالجة محنتي وكانني أعاود عراف لإخراج جن معشش داخلي
- تظاهرت بالنوم ليلتها. أحسست إني عاهر مستجد في أول ليلة له مع المهنة. فقد بعت جسدي أخيرا. فكرت في ورطتي في مأزق سيتكرر معي يوميا
- يكفيك أن تنتزع روحك قبل كل حميمية وتتظاهر بالمتعة مثلما تنزع ساعة من معصمك قبل الدخول للاستحمام
- عاودت اكتشاف رغبتي الاصلية. اكتشفت بعد مدة قصيرة إنني أرغب في الرجال. ويجب أن أجد رفيقا يعيد إلي طعم الحب الحقيقي
4,5/5 من أكثر الكتب الممتعة التي قرائتها هذه السنة. يتمحور الكتب حول حياة رجل مثلي على متن القطار و يسرد احداث صارت و اثرت فيه. من الناحية الاخرى، تروى زوجته تجربتها و حياتها الزوجية و بين الاطروحة و نقيضها نتوه في مقاطع مضحكة تحفز على إكمال الكتاب و يزيد الطابع التونسي في جمالية هذه الرواية.