Jump to ratings and reviews
Rate this book

البجعة البيضاء

Rate this book
لأول مرة يراها في الأسود، لم يتوقع أن تكون بهذه الروعة، اقترح الوشاح الفوشيا، فلفته حول عنقها وأنزلته بإصبعيها قليلا من الأمام قبل أن تمر بنفس الأصابع على شعرها فيتخذ وضعه المعتاد، وتنزل إلى البهو، قبل أن تصل إلى الباب، استأذنها في الوقوف لالتقاط صورة، فنظرت إلى معصمها كأنها متعجلة ثم وقفت وظهرها للأبواب الزجاجية. حاول أن يريها اللقطة، لكنها نظرت إلى معصمها مرة أخرى، وقالت: "لا أحب الصور"، ففتح الباب الزجاجي وقال: " هنا أروع" فتنهدت وهي تخطو إلى العشب الأخضر، وقبل أن يلمس الشاشة قال مشجعا: "بسمة للنبي!"، فابتسمت، وبدت في اللقطة فارعة، بملء الكادر كصورة غلاف، رأسها عند الحافة، وقدماها في صندل عند القاعدة، ببلوزة سوداء على بنطلون قماش أسود، وصدر مُشرئب يوحي بالصحة، تبتسم بعينين مسبلتين والنور يغمر وجهها. سألها إن كانت تريد أن ترى الصورة، لكنها أشاحت بوجهها أيضا، فتساءل بلهجة مصور محترف عما يجعل امرأة جميلة لا تحب الصور، ولما اكتفت برفع كتفيها، تراجع خطوتين إلى الخلف متعهدا بأن تغير رأيها حين ترى في اللقطة القادمة فتاة بنت 16 سنة، فمالت بوجهها في خجل وابتسمت، فضغط اللقطة معتقدا أنها ستود النظر إليها، لكنها نظرت إلى معصمها كأنهما تأخرا، وشبكت ذراعيها حول ذراعه وخرجا.
لأول مرة يراها في الأسود، لم يتوقع أن تكون بهذه الروعة، جمال تلقائي ليس بحاجة إلى ما يبرزه، يطغى وحده، في أي وضع، حتى الشعر الذي اتخذ وضعه تلقائيا، بحركة وهمية من أصابعها، من دون حاجة إلى مشط، كأنها تزيح خصلة عن عينيها كان جميلا، ودون أن تنظر إلى المرآة علقت الحقيبة في كتفها وقالت: "أنا جاهزة".
هذا هو الخروج الأول برغبتها بعد ثلاثة أشهر من مجيئها إلى الفيلا، انتابته حالة من الحبور، وقال: "أخيرا!" قبل ذلك كان هو من يضغط من أجل الخروج، فتتبعه كأنها مسلوبة الإرادة، تنظر إلى العالم بحذر، وحين تعود يسألها عن رأيها، فتهز رأسها علامة الرضا، يسأل إن كانت تريد تكرار الفُسْحَة، فتومئ برأسها، لكنها لا تطلب، وحين يقترح الخروج تتعلل باعتذارات يراها وهمية.
الآن تريد الخروج بإرادتها، لذلك أتت استجابته سريعة، فالتفتت وهي على حافة المسبح أمامه مشترطة أن يترك لها اختيار المكان، فأبدى موافقته ووعدها بألا يسأل حتى إلى أين يتجهان، فبدت ممتنة وهي تعبر الباب الزجاجي وقطرات المياه تتساقط منها، وهي تصعد حافية إلى غرفة النوم، وترتدي الأسمر، لتبدو وذراعاها حول ذراعه كأنها تواجه العالم لأول مرة، لاحظ أنها متكئة على كتفه، وتسأل بلهفة عن الوقت، فقال أمامنا الوقت مفتوح، وسألها إن كان هناك ما يقلقها، وحين هزت رأسها بالنفي، ترك لها نفسه، حيثما تشير يسير.
مآثر لا يروق لها الوقوف أمام كاميرا، لكنها رضخت لأنه رحب بالخروج دون أن يسأل عن تفاصيل، من دون إرادة وجدت نفسها تمتثل للكاميرا كأنما تقف لصورة رسمية، لكنها أشاحت برأسها حين حاول أن يطلعها على اللقطة، وهي لا تعرف بعد كيف تقنع نحاتا بأنها لا تحب اللحظات المجمدة، فيما لديها نفس اللحظات في الذاكرة، لكنها حيوية، تستدعيها كجزء من الحياة، غير منفصل عما سبقه ولا ما تلاه، تفاصيله المختبئة حاضرة بكل خلجاتها ربما أكثر من الظاهرة، كيف تقنعه بالفرق بين وردة محفوظة ومجففة، وأخرى متصلة بالجذور.
حتى بعد أن خذلتها الذاكرة وصارت تدخل من نوم إلى نوم منذ جاءت إلى الفيلا، تعرف أنها على قيد الحياة ما زالت، ولا حاجة بها لصور مجمدة والصور الحيوية ما زالت تخايلها ولو كأحلام متداخلة في الصحو والنوم، مترجرجة كأنها على سطح قارب لم يغرق بعد، حيث يبدأ الموت في نظرها بتوقف الذاكرة لا بتوقف القلب عن الخفقان.
حيثما تشير مآثر يسير، كأنه يخوض في متاهة، سألت عن الساعة، فقال السادسة إلا عشر دقائق، فطلبت منه أن ينتظر، وقالت: "عشر دقائق" ثم عبرت الطريق على عجل، ودخلت أحد المنازل. أحياء التجمع متشابهة؛ نرجس أو بنفسج أو ياسمين، والبيوت من أرضي وطابقين، شقتان في كل طابق، تفصلها أسوار وحدائق صغيرة، بيوت حديثة مستنسخة في ظهرها بيوت مماثلة، تطل على شوارع وساحات وحدائق خضراء، دخلت مآثر أحدها كأنها ستحضر شيئا وتخرج، فأخرج الهاتف، وأرسل اللقطات الثلاث إلى الدكتور يحيى، وتمعن فيها، فخلص إلى أنها تجاوزت تقريبا مرحلة النقاهة، لولا مسحة الأسى وفترات الصمت التي تعتريها منذ بدأت تبادله الحديث، وتشاركه أعمال المطبخ والنظافة وتشغيل الغسالة، ونشر الغسيل ولمه وتطبيقه، لكن نزولها إلى المسبح لأول مرة تحديدا هو ما جعله يتيقن أنها الخطوة الأخيرة في التعافي والعودة إلى الحياة بشكل كامل.
مسحة الشرود والأسى كانت آخر ما يحاول إضفاءه من الرتوش النهائية على مجسم رخامي لها بالحجم الطبيعي وهي ممددة على العشب شاردة كأنها مقبلة على نوم أو منصرفة إلى تأمل البجعات الواقفة على حافة المسبح كأنها ستقفز في الماء، لكنها قفزت في المسبح بشكل مباغت، فألقى بنفسه خلفها تاركا الرتوش التي لم تغفل نظرة الحزن في عينيها، ولا نظرتها المنكسرة والهائمة وهي تنقل بصرها بين شجيرات الفاكهة ثم تتوقف طويلا أمام ورود جهنمية فوشيا على السور، كأن قفزتها في الماء كانت إشارة لأن يكتفي بالتفاصيل الأخيرة لبورتريه "الطائر الملكي الحزين"، فضمها بين ذراعيه، ورفعها لتطفو، وظلا معا في الماء حتى عاد الألق والعمق إلى عينيها، لتلتفت بعد ثلاثة أشهر من الصمت والعزلة والشرود أثناء صعودها إلى حافة المسبح، وتسأله لأول مرة عن الوقت، قال: الخامسة، فقالت: "ممكن نخرج شوية؟"، فأومأ برأسه وقال: "أخيرا!"، انفرجت أساريرها وتساءلت إن كان بإمكانه أن يترك لها تحديد المكان؟ فقال: "طبعا".
قلقها وهي تنظر في معصمها كأنما إلى ساعة وهمية انتقل إلى لقطة البهو لفاتنة في الخامسة والثلاثين بكامل أنوثتها إلا من نظرة انكسار خلفتها إضاءة داخلية خافتة، وفي الخلف، لكن من بعيد، ضوء حديقة وورود جهنمية فوشيا، وهو ما جعله يفتح الباب الزجاجي على الفور لاقتناص لقطة أخرى في الحديقة، سيرسلها إلى الدكتور يحيى الذي رفضت مجيئه، ويتابع حالتها عن بعد من خلال الصور. ك...

126 pages, Unknown Binding

Published January 1, 1918

11 people want to read

About the author

محمد إبراهيم طه

13 books14 followers
قاص وروائي وطبيب، مواليد 1963، من كتاب جيل التسعينيات في مصر، يمثل الريف والطب والموروث الشعبي والثقافي والديني أهم روافده القصصية والروائية، مفتون بالسير على التخوم الفاصلة بين الواقع والخيال والعلم والخرافة والظاهر والباطن.
وينضح السرد عند محمد إبراهيم طه بالعذوبة والشعرية، ويتسم المكان القصصي والروائي عنده بالسحر والأسطورة، وقد صدر له ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية ، حصل عن أربعة منها على جائزة الدولة التشجيعية2001 ، وجائزة الشارقة 2000، وجائزة يوسف إدريس 2008 ، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب2013 .

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (25%)
4 stars
1 (25%)
3 stars
2 (50%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for محمد  إبراهيم طه.
4 reviews10 followers
March 9, 2019
حيثما تشير مآثر يسير، كأنه يخوض في متاهة، سألت عن الساعة، فقال السادسة إلا عشر دقائق، فطلبت منه أن ينتظر، وقالت: "عشر دقائق" ثم عبرت الطريق على عجل، ودخلت أحد المنازل. أحياء التجمع متشابهة؛ نرجس أو بنفسج أو ياسمين، والبيوت من أرضي وطابقين، شقتان في كل طابق، تفصلها أسوار وحدائق صغيرة، بيوت حديثة مستنسخة في ظهرها بيوت مماثلة، تطل على شوارع وساحات وحدائق خضراء، دخلت مآثر أحدها كأنها ستحضر شيئا وتخرج، فأخرج الهاتف، وأرسل اللقطات الثلاث إلى الدكتور يحيى، وتمعن فيها، فخلص إلى أنها تجاوزت تقريبا مرحلة النقاهة، لولا مسحة الأسى وفترات الصمت التي تعتريها منذ بدأت تبادله الحديث، وتشاركه أعمال المطبخ والنظافة وتشغيل الغسالة، ونشر الغسيل ولمه وتطبيقه، لكن نزولها إلى المسبح لأول مرة تحديدا هو ما جعله يتيقن أنها الخطوة الأخيرة في التعافي والعودة إلى الحياة بشكل كامل.
Displaying 1 of 1 review

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.