مذكرات عزيزة جلود، زوجة إبراهيم اليوسف الثائر السوري الشهير ومنفذ عملية المدفعية 1980، والرجل الثاني في تنظيم الطليعة المقاتلة
كتبت هذه المذكرات بعد خروجها من سوريا إلى تركيا وسجلتها أول مرة في صفحتها على الفيس بوك، ثم جمعت تلك الحكايات مع متناثرات أخرى في هذا الكتاب الذي يروي بالتفصيل فترة سجنها الطويلة التي امتدت لأحد عشر عاما لمجرد كونها زوجة إبراهيم اليوسف، كذلك تلقي حكايتها الضوء على العلاقة بين الإخوان المسلمين وتنظيم الطليعة المقاتلة وأفكار إبراهيم اليوسف
كتاب مهم.. رحلة مريرة أليمة في ذكريات عزيزة جلود زوجة إبراهيم اليوسف
أحد عشر عاما في السجن، بين حلب ودمشق ودوما وفروع الأمن العسكري والسياسي..
قصة امرأة عاشت منذ أول أمرها الخوف والقلق والرعب والألم والأمل، ثم فقدت زوجها، ثم اعتقلت ففقدت أبناءها، ثم كبروا بعيدا عنها، وكانت أطول النساء سجنا حيث بقيت بعد الإفراج عن الأخريات.. اجتمع عليها السجن ثم السجن والوحدة.. مع تفاصيل أخرى لا يسمع المقام لسردها، ولعل الله أن يشاء بكتابة أكثر تفصيلا عن الكتاب.
ثم خرجت من سجنها لتبقى في سجن سوريا الكبير، امرأة وأولادها يجبرهم الحال على التنكر للزوج والأب البطل الشهيد باعتبارها إرهابيا ومجرما.. ثم حتى الكلام عن المظالم لا يُستطاع
ثم جاءت الثورة السورية وأشرق الأمل وانبعثت الأحلام وانفجرت الحكايات..
ثم جاءت داعش واستولت على الرقة وعانت ذات المرأة قصة هروب أخرى من سوريا، لكن من داعش هذه المرة..
فاتصل بهذه المرأة ما بين الثورتين، ثورة الثمانين وثورة 2011.. ولا تزال الليالي حبلى يلدن كل عجيبة..
ولا تزال أوطاننا المنكوبة المنهوبة المسلوبة بأيدي هذه الأنظمة الخائنة المجرمة العميلة تلد قصص العذاب ألوانا وأهوالا وأصنافا وأشكالا
أنا أكره وطني سوريا أكره منافقي الشعب السوري أكره جبال سوريا وبحرها وشجرها الذي آوى النصيريين أكره مساجدها التي اعتلاها المنافقون وحولوها لموشحات في خدمة السلطة الطاغوتية فليذهب هذا الوطن إلى الجحيم وليتني استطيع إخراج كل ضعيف ومسكين من هذا الجحيم .
طوال أربعة أيام القراءة كنت أجدني في شرودي أردد "ولا تحسبنَّ الله غافلا عما يعمل الظالمون" تحضر صرخات المعتقلين قبل نومي، وأقرأ أذكار النوم وأكررها كيلا أرى العذاب في منامي..
في مذكراتها تذكر المجاهدة عزيزة جلود كيف أخذت حياتها منحى آخر مختلف تماما عما كانت في سابقه بمجرد موافقتها على الشهيد إبراهيم اليوسف وقبولها إياه زوجا..
كان لإبراهيم على زوجته عظيم الأثر، بدا وكأنها تشكّلت على يديه من شدة التأثر.. وماكانت هذه الثمار الجهادية اليانعة إلا لطيبٍ في أصل التربة (نفسها) إذ أثمرت بذوره صبرا وجهادا ومقاومة ويقينا منها بأنه على حق، وأن الواجب أن تصبر وتموت على الطريق الذي مات عليه شهيدها!
ثم تحدثت عن نبذة من حياة الشهيد، وبعدها بدأت تسرد حكايات "الجدة أم ياسر" عن سجنها وأعوام العذاب الإحدى عشر ومآسيها وبعض المعتقلين.. حكايات تعتصر فؤادك حتى يكاد يجف!
تعجبت كثيرا لأرحام النساء هناك رغم المآسي والخوف والمطاردة إلا أنها تدفع ولا تمتنع! الإنجاب عندهم مقاومة صارخة!
عقوووووود وسوريا غارقة في محيطات الدماء وتكاد تفيض في شوارعها وتُغرقها دموع القهر والغبن، يلعن روحك يا حافظ يلعن روحك أنيسة ويلعن روحك بشّار اللهم أهلك آل الأسد واشفِ صدورنا!
بدأت قراءة الكتاب وأنا خائفة من محتواه، كنت أتنبأ بمحتوياته وما الأثر النفسي الذي سيتركه داخلي. لكني كنت قد قطعت وعدًا على نفسي بأن أقرأه، ففعلت. وأعترف بأن وقع الأحداث كان خفيفًا نسبيًا، وذلك لأني قرأت الكتاب بعد سقوط نظام الأسد.
إبراهيم اليوسف، ذاك البطل الذي سمعت صدى اسمه يتردد في بيتنا منذ كنت طفلة صغيرة، لم يقدني فضولي قط لأبحث عن هذا الاسم، إلى أن قادني القدر لأقابل أحد أطفاله.
الآن، بعد أن انتهيت من الكتاب، أستطيع أن أقول إن الشخصيات البطولية لا توجد دائمًا في القصص الخيالية فقط، بل توجد على أرض الواقع أيضًا، لكننا لا يسعنا إلا أن نقرأ عنها؛ لأنها غالبًا ما يغتالها الجبناء ليخفوا جبنهم.
وبرغم أن الكتاب متمحور بطريقة أو بأخرى حول إبراهيم اليوسف، إلا أنني وجدتني أفكر بعزيزة جلود وكل ما قاسته، سواء خلال الـ11 عامًا التي قضتها في السجن، أو بعد خروجها، أو حتى قبل اعتقالها. هنا وجود لبطلة أخرى. فرغم كل ما ذاقته، بقيت مخلصة لأفكارها، ولم تسمح لميل الناس وتلونهم من حولها بأن يزعزع شعرة من أفكارها.
طريقة كتابة عزيزة وإيرادها لتفاصيل كثيرة من أسماء وأماكن جعلتني أشعر وكأنني أجلس برفقتها حقًا وأستمع لذكرياتها بكل حضور.
أجمل ما في الكتاب، إلى جانب كونه وثيقة هامة تصور تنظيم الطليعة المقاتلة من الداخل،فإن عزيزة جلود كتبت بصراحة تامة عما واجهته هي وبنات جنسها من مشاكل،داخل وخارج السجن. تحدثت عن رغبتها في الشعور كأنثى.. وكيف أنها عندما خرجت من السجن، كانت كمن استأنفت عمرها الذي توقف عند اعتقالها..فكانت أشبه بأخت كبرى لأبنائها.. في حين أن عمرها لا يساعدها على هذا الدور.
لفت نظري أيضا، نوعية بعض الأسئلة على الحركيين الإسلاميين.. فقد سئل إبراهيم اليوسف عن الشخصية الإسلامية التي تأثز بها. ويبدو أن مثل هذه الأسئلة، ردة فعل عن إعلان الإعجاب بيساري معتق!.