رغم نبوغه فيما قدمه من مؤلفات في الأدب والأنساب والفقه الشافعي يبقى كتابه صبح الأعشى أعظم ماقدمه القلقشندي في التاريخ والأدب معًا، يلي ذلك كتابه مآثر الأنافة في معالم الخلافة من الكتب الجيدة فيما يخص التاريخ المملوكي في مصر لقربه منهم ومن البلاط المملوكي إلى قبيل وفاته بقليل، ويقدم القلقشندي لنا صورة واضحة المعالم عن الخلافة وكل ما لهذا المنصب من أهمية دينية / تشريعية، وسياسية واجتماعية وضوابط إختيار الخليفة وشروط ذلك، وولاية العهد وأنواع الإمارة، وكل ماله علاقة بهذا المنصب، وكيف هي إرهاصاتها الأولى منذ عهد الخلافة الرشدة حتى سقوطها عباسيًا، ثم عودتها في مصر في عصر المماليك ويقف المؤلف عند الربع الأول من ق 9 هـ (الربع الأول ق 15 م).
يتناول الكتاب بأسفاره الثلاثة المؤسسة السياسية الدينية الأولى في التاريخ الإسلامي العربي وهي الخلافة فيناقش ويشرح المؤلف هذا المنصب ويعدد رجاله وأنظمته ويقرأ هذا المنصب تشريعيًا أي من ناحية دينية ثم قبائليًا واجتماعيًا في أول أمره وكيفية إختياره صاحبه وضوابطه ذلك، ولم يسبقه إليه أحد في القرون السبعة التي سبقته.
عندما بدأت في تصفح كتاب القلقشندي كنت أول الأمر لم أضعه في خانة المؤرخين خصوصًا وكتابه صاحب الصيت "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، ذا موروث أدبي وذاكرة ممتلئة بالحدث التاريخي في سياق أدبي فعده الكثير من الباحثين في العصر الحديث كاتب أدبيو وله كذلك "نهاية الأرب" فيما يُعنى بالأنساب.
إن كنت أتقبل على المستوى الشخصي تاريخيته في صبح الأعشى أكثر من الأصفهاني / الأصبهاني صاحب الأغاني لغلبة القصة ذات الطابع المسامراتي في كتابه – رغم أنه لا يرد كله – بين أن صاحبنا الأعشى بعد قراءة كتاب هذا "مآثر الأنافة في معالم الخلافة" يتضح علو كعبه في كتابه التاريخ ولا يستهان بمادته خصوصًا عن مصر.
أهم مايمتاز به كتاب مآثر الأنافة :
A.يقف المؤلف في مادة كتابة عند حوادث (819 هـ) كما يذكره هو (جــ 2 / ص 211) وهي سنة سابقة لوفاته وقيل بعدها بعام والله أعلم. وهو عهد الخليفة العباسي "المعتضد بالله" (من خلافاء مصر بعد سقوط الخلافة ببغداد : خلافاء أسماء فقط).، وكان سلطان مصر حينها "السلطان المملوكي المؤيد أبو النصر شيخ المحمودي ت 824 هـ / 1421م من المماليك البرجية * .
B.الموضوع الرئيس في الكتاب هو الخلافة وكل ما يندرج تحت هذه الوظيفة التي تعد أعلى مركز في الدولة الإسلامية ولأهميتها خصها المؤلف بكتاب مستقل وقد أحسن.
C.عندما تم تأليف هذا الكتب كانت الغاية منه دون شك تكريس شرعية الخليفة وكذلك هو يخدم من يوكلهم الخليفة تحت مسميات كسلطان وأمير الأمراد ووزير الدولة.
D.أعظم مايمتاز به الكتاب هو الأحداث المصرية بحكم مولد المؤلف في مصر وإحتكاكه بمؤرخو مصر فعد كتابه هذا مع بقية مؤلفاته تكمن أهميتها في المادة التاريخ المتعلقة بالشأن المصري فلا يستهان بها.
E.إذا ما وضعنا في الحسبان الربع الأول من الكتاب (جـ 1) ثم الربع الأخير من الكتاب (جـ 2) ثم الكتاب الأخير كاملًا (جـ 3) وجدنا أن قرابة (55 %) من الكتاب تناول شأن الخلافة وترتيبات الملك والجانب المعرفي دون السياسي، وبقية الكتاب عدّد الخلافاء (الخلافة الراشدة)، ثم (الأموية)، ثم العباسية)، ثم ذكر قيام العباسية بعد سقوطها في بغداد ونهوضها كخلافة اسمية دون أي حراك سياسي في عهد المماليك منذ أول أمرهم حتى عهد الخليفة العباسي الـ(11) وفق ترتيبهم في مصر "المعتضد بالله أبو الفتوح داود" وهو المعاصر للكاتب القلقشندي والذي وضع كتابه له.
F.بعض مادة كتاب معالم الخلافة تجدها في صبح الأعشى.
G.كثرة التشعبات في المادة الإدارية فتجدها يقول " ذكر ما يكتب للخلفاء وفي فصلان، الفصل الأول وهو نوعان وأولهما كذا ......، ثم فيه مذهبان المذهب الأول وهو ...... وهذا المذهب فيه قولان الأول وهو ...... والثاني فيه نوعان وأولهما وهو ....... وهذا جهد ما أنزل به الله من سلطان فما أن تستقيم لك فهم المادة الأولى حتي تجد نفسك قد تشعبك ولا تعلم في أي نقطة تاريخية – إدارية – هو يتحدث وكان متعبًا جدًا حتي لكأن الأمر يحتاج منك لجدول توضيحي أو شجرة أنساب دون مبالغة ويتطلب الأمر تركيز عظيم.
H.في ظل أدبية الكتاب – التي عرف بها – وجدته أكثر تاريخية من الأغاني ومن كتابه هو نفسه صبح الأعشى.
I.للمؤلف كتاب أكثر شهرة وأعظم نفعا فيما يعني بالمادة الأدبية والكتابة وهو صبح الأعشى يحتوى الكثير من مادة الكتاب الثاتي أي مآثر الخلافة.
J.عاش القلقشندي في النصف الثاني من القرن الثامن والربع الأول من القرن التاسع (756 – 820 هـ) فكانت مصديته عن الخلافاد العباسيين مابعد سقوطهم في بغداد (656 هـ) موفقة لحدٍ ما لكثرة تناولها في المصدر المصري بحكم مصرية المؤلف (من أهل قلقشندة) في القليبوية.
K.إعتماد المؤلف كثيرًا فيما يخص موضوعات الخلافات والمراسم الخلافية وأمور ضبط الملك – الشأني الإداري – على (الماوردي) في السلطانية دون موضوعات الخلافاء – الشأن السياسي – في الكتاب.
L.فيما يخص أحداث الخلفاء فقد عني بهم القلقشندي وفق :
1 - ذكر كل خليفة منذ عهد الخلافة الراشدة حتى عصر خلفاء عباسيو الديار المصرية حتى من ولي الخلافة لأشهر أو بضعة أيام أو حتى يوم واحد.
2- شدة عنايته بنسه العباسيين وذكر إذا ما تولى والده أو جده الحكم أكثر من عنايته من الخلفاء الأمويين. 3 - ذكر أهم الحوادث و المجريات في خلافته.
4 - ولايات الأمصار في عهده (أسماء من تولى الولايات ومن عُزل منها) لكل إقليم وبلاد خاضعه للسلطنة اللملوكية فهي من ورثت الحكم وأصبحت بمثابة بغداد العهد العباسي.
5- توثيق لكل الولاة المعاصرين للخليفة في الأمصار : مصر. والحجاز (ولايتي مكة والمدينة)، واليمن، والشام (كل مناطقها)، وبلدان ما وراء النهر وخوارزم وعراق العجم – الجبل - ، والعراق، والأندلس – رغم عدم تبعيتها للبلاط العباسي -، وإيران، وخراسان، وأذربيجان، وإفريقية وكل مناطق المغرب (الأدنى والأقصى والأوسط : وفق تسمياته القديمة وهو اليوم الشمال الإفريقي إلا مصر)، وغيرها الكثير والكثير ويعدد كل أسرة حاكمها توارث الولاية المذكورة ومن جاد غيرها ومن نازعها وهذا مهم للباحث التاريخي.
منحت الكتاب كامل نجومه الخمس لفرادته في الموضوع. ــــــــــــــــــــــــــــــ * المماليك البرجية إشارة لعيشهم في أبراج قلعة صلاح الدين الأيوبي، ويطلق عليهم الشركسية.