تفرق الجمع كل إلى وجهته، ودلف هشام إلى غرفته بعدما اغتسل بماء بارد، ليزيل كل ما نبت بداخله من صدمات تعرض لها طوال اليوم، ثم استلقى على فراشه وشحذ حواسه جميعا صار يبحث وينقب في عقله، كأثري ينقب في صحراء عن خبيئة قديمة، أو كعاهرة مسنة همت بتذكر أول عاشق لها ولكن كثرتهم لا تسعفها، ولكن عن ماذا يبحث ؟ أفكار متضاربة، مشاعر تتصارع كقطيع من الذئاب لا يملك سوى جيفة واحدة. هل هو أبي؟ هل هو شخص آخر؟ هل لو كان أبي سأكرهه جراء ما فعل بأمي وأختي؟ هل سينتابني الضعف إذ أبصرته بعيني؟ هل سأنتقم للماضي؟! هل سأنتقم للأخلاق والقيم؟ هل على أن أغفر له ؟ هل الغفران بيدي أو حتى بمقدوري؟ هل أشعر للمرة الأولي أنى أملك أبا كغيري من البشر؟ هل علي أن اسمح لهذا الشعور بالتواجد أم أحافظ على حياتى كعيسي بلا أب؟ هل سأختار أن تظل أمي هي الأخرى كمريم؟ هل؟ هل؟
《اتركوا الله يحاسب الكاذبين والظالمين، اتركوا الله يحقق عدله في الأرض، اتركوا صناديق الأسرار مغلقة كما هي، أنتم لستم صالحين أنتم فقط مستورون؛ فالجهل بالحقيقة أحيانًا يكون أفضل من العلم بها.》
أن تقرأ عملاً روائياً يحمل التشويق و يعرض الحياة الاجتماعية .. بعض الرومانسية و الكثير من المعلومات.. يطرح القيم التي قلَّ ما تجدها الآن .. كل ذلك و أكثر بأسلوب مميز يجذبك للقراءة بنهم و سرعة .. تلك نقطة تحتسب لكاتب العمل.
محاربة الشر .. السعي في سبيل نصرة الحق .. هي صور تم عرضها كثيرا من قبل سواء في الروايات او الافلام، و لكن ليس كل ما قرأت او شاهدت قد يقنعك بالحدث و يجذبك لتكمل حتى النهاية.
ما لفت نظري جدا في العمل أنه لم يصور بطل الرواية على أنه يتحلى بالمثالية المطلقة بل كان لديه من الضعف ما يجعلك تشعر بأنه شخصية حقيقية.
العلاقة بين الشخصيات كانت عفوية حملت الكثير من المشاعر و الاتفاق و الخلاف و لكن الكاتب عمّد إلى جعل الجانب الفطري الإنساني يطغى على العمل ككل .
لم يغفل الكاتب أيضاً عن ذكر الجانب الروحي - أو الديني - خلال مشاهد العمل ككل .. حيث استطاع تصويرها بشكل حيادي و مميز.
~الفكرة: عرض مميز جدا لعدة أفكار كان مركزها المصل الذي ليس بجديد تم تداول فكرته في عدة أعمال من قبل و لكن بطرق مختلفة و لم يكن هو مركز الحدث. ~الحبكة و الأحداث: أحداث مترابطة متسلسلة تحمل الكثير من الإثارة .. استطاع الكاتب ربط الخيوط بأسلوب مميز و مشوق حيث أنه غالباً ما يسير بك في طريق لينهيه بخلاف توقعاتك تماماً. ~اللغة: عربية فصحى للسرد تحمل قدراً جيداً من التشبيهات البلاغية، و عامية مصرية بسيطة للحوار تشعرك بأن الشخصيات موجودة فعلاً. ~العنوان: مناسب جداً للمحتوى و يجذب القارئ عند رؤيته لقراءة العمل. ~الغلاف: بسيط لكنه مميز فغالباً أبسط الطرق هو أقربها لإيصال الفكرة، تماما كما هو أسلوب الكاتب في هذه الرواية.
~النقد: * بضع أخطاء إملائية و لغوية قد لا تذكر ... *ربما كان من الداعم للعمل ذكر مصدر المعلومات فيه على هامش الصفحة، و ترجمة العبارات الأجنبية و الألمانية أيضا على هامش الصفحة بالتفصيل مباشرة. * تمنيت أن اعرف تفاصيل أكثر عن منى الصغيرة كيف تمت إعادتها و كيف كانت حياتها قبل ذلك .. * قد يعتبر التوافق الغير طبيعي بين الشخصيات من الخياليات - التي تبتعد عن الواقع الحالي- نقداً لدى البعض و لكنها لم تؤثر على الرواية ككل بل و اعجبتني شخصياً.
~التقييم العام: 4/5 ~عدد الصفحات: 263 صفحة ~ساعات القراءة: ساعة ونصف متفرقة.
العمل الثاني للكاتب و الرحلة الثانية لي بين سطوره، حيث أن التطور واضح بشكل كبير بين العملين رغم أن الأول (مالديتا) كانت مميزة أيضاً، لكن (المصل) تعتبر نقلة لمستوى أعلى .. و يستحق الكاتب أن ترفع له القبعة على ابداعه. اتمنى التقدم و التطور و النجاح الدائم للكاتب و في انتظار الجديد من أعماله