كتاب "حياة الأشكال.. أسرار العمل الفني" أحد أهم مؤلفات المؤرخ الفني الفرنسي الكبير "هنري فوسيون" (1881- 1943)، فالكتاب -على الرغم من صغر حجمه- يمثل دليلا عظيما لفهم الأعمال الفنية من خلال استيعاب معنى "الشكل الفني" وطبيعته وسلوكياته والقواعد التي تحكمه. كما يقدم الكتاب تصورا لمراحل تطور "الأسلوب الفني" قبل أن يصل إلى ذروته. الأمر الذي يجعل هذا الكتاب صالحا كمنهج للنقد الفني يمكن تطبيقه خلال عملية التأريخ لأي عمل فني. يحاول "فوسيون" في كتابه هذا -والذي صدرت طبعته الأولى عام 1934م- أن يتحدث عن "الشكل" forme في العمل الفني، طارحا تصوره القائل بأن "الأشكال" لها حياتها الخاصة، وقواعدها المنظمة، وأنها تفرض نفسها على ما سواها. فالشكل عنده له رسالة يريد أن يوصلها، فالشكل يظهر لنا عندما نقارن بين صخرة صماء قادمة من الجبل، وتمثال رائع تم نحته من تلك الصخرة، إن الشكل يفرض نفسه على المادة، ويحولها، ويجعل لها هدفا ومعنى، مثلما تفرض المادة نفسها على الشكل (فالشكل على الورق أو القماش ليس هو نفسه عندما يكون منحوتا في صخرة أو معجونا من الطين)
يصل كتاب «حياة الأشكال: أسرار العمل الفني» إلى القارئ العربي محمّلًا بثقلٍ مزدوج: ثقل المشروع الفلسفي الذي يقترحه هنري فوسيون، وثقل ترجمة لا تساعد على تفكيك هذا المشروع بقدر ما تزيده تعقيدًا ونفورًا. فوسيون يكتب عن الأشكال بوصفها كائنات حية، تتحرك داخل تاريخها الخاص، وتملك منطقها الداخلي الذي لا يخضع تمامًا للتفسير الخارجي، لكن الترجمة العربية تتعامل مع هذا التصور وكأنه نص نظري جامد، فتسلبه شيئًا من حيويته التي هي جوهر الكتاب نفسه. الإشكال الأساسي في الترجمة لا يكمن في الأخطاء الفادحة فقط، بل في خيار لغوي عام يميل إلى التراكيب الثقيلة والمصطلحات غير المستقرة، وكأن المترجم اعتقد أن الغموض فضيلة بحد ذاته. النتيجة أن القارئ يشعر بأن النص يتمنّع عليه عمدًا، لا لأن الفكرة عصيّة، بل لأن اللغة لا تُحسن تقديمها. جمل طويلة بلا إيقاع، ومفاهيم تُنقل حرفيًا من الفرنسية أو الإنجليزية من دون منحها حياة لغوية في العربية، فتبدو كأجسام غريبة، وتتحول قراءة الكتاب إلى عبء على القارئ بدل أن تكون تجربة تأملية