يتحدث الكتاب عن الحِرف السائدة في دمشق خلال القرن التاسع عشر ، من خلال توضيح التقسيمات البنيوية الخاصة بها والتي كان متعارفاً عليها آنذاك . وقد صاغ المؤلف معلوماته استناداً إلى البحث الميداني ومحاورة أصحاب الشأن من حرفيين وصناع وعمال ، وأوردها بطريقةٍ مختصرةٍ وافيةٍ . يتناول طبيعة تقسيم الأدوار في عموم الحرف ، والتراتبية الهرمية التي كانت عليها؛ انطلاقاً من شيخ المشايخ -وهو أعلى سلطة في الهرم- وحتى المبتدئ حديث العهد بالصنعة...ومن خلال هذه النظرة الخاطفة التي يلقي بها الكاتب يكشف عالماً واسعاً مجهولاً ،ويفصح عن منظومةٍ عجيبةٍ تثير الدهشة بترتيبها وخصوصيتها وحساسيتها العالية . كما تظهر من خلال طقوسها الفريدة أهمية الكار ومكانته العظيمة لدى الناس ، ويتجلى ذلك في التحضيرات الاحتفالية وتلاوة العهود وتقديم النصائح من الأقدم والأعلى مرتبةً في الكار ، ومن الشروط الصارمة المفروضة على المتدربين في الكار للحصول على الترقية من منزلة إلى منزلة أعلى... فيتضح الحرص الشديد على صون الحرفة من ضعفٍ في الأداء أو عدم إنقانٍ للصنعة ، والرغبة في أن تبقى الحرفة منزهةً عما يشوبها من الإهمال أو التقصير . في الحقيقة يبدو الأمر كمدرسةٍ حقيقيةٍ لتخريج الصنّاع والحرفيين ، تفرض عليهم ما يشبه المنهاج والاختبارات للتأكد من أهلية الشخص لحمل مسؤولية الحرفة والقيام بها على أحسن وجهٍ حسبما يتفق لشيوخ الكار وأصحابه بواسطة الخبرة والمعرفة ...وتخضع لهذه القوانين العرفية جميع الأديان والطوائف وتتم المبايعة كلٌّ حسب ديانته ويُراعى في هذا تلاوة العبارات المستخدمة في تلك المناسبات والطقوس ،وهذا من أكثر ما يستدعي الانتباه والتفكر بمدى قوة السلطة والمكانة التي تمتعت بها الحِرف والكارات في ذاك الزمن .
الكتاب جيد جدًا في طرحه والموضوع الذي تناوله من خلال طريقة السرد تبيّن أنّ الكاتب لم يكتب من ذاكرته أو بالاعتماد على كتب أخرى بل قام ببحثٍ ميداني وجمع معلوماته من مصادرها الأصليّة وهذا ما يعطي الكتاب مصداقية عالية يعرض الكاتب التسلسل الهرمي أو الطبقات لمجتمع الحرفيين من أعلى الهرم (شيخ المشايخ) نزولًا للأجير بطريقة دقيقة جدًا صحيح أنّ طريقة ضبط هذا المجتمع كانت تضمن تحقيق مبدأ (إتقان العمل) بأفضل صورة إلا أنّ ما قد يفوت الباحث هو مدى تأصّل التبعيّة في المجتمع والوعي العربي أو الشامي شيخ المشايخ يجب أن يكون من هذه العائلة بالتحديد والأمر ليس بتمسّك منهم فحسب بل بإصرارٍ من المجتمع لدرجة رفضهم أمر السلطان (الخليفة) في ذاك الوقت بتعيين شخص آخر بالمنصب هذا ما أحزنني وربّما أجاب عن بعض تساؤلاتي بشأن جذور حبّ التبعية والخضوع لدينا في النهاية يطرح الكاتب تساؤلًا ذكيًا وهو هل طقوس الحرفيين أتت من الماسونية أم العكس والداعي لهذا السؤال هو التشابه الكبير بين طقوس الجماعتين