إنَّ الحقيقة الكاملة، الحقيقة المطلقة بلا تزييف، كشمسٍ شديدة التوهج في يوم شديد الحرارة، أتظنُّ أن أحدًا قادر على أن ينظر إلى عينها مباشرةً في مثل هذا اليوم، لا أحد يقدر.. إنهم يهرعون إلى أن يخبأوا أعينهم بسرعة خلف نظاراتهم وخلف تلسكوباتهم، كي يتمنكوا من رؤية مصدر هذا السطوع كله، لكنهم لا يدركون أن ما يصلهم من ذلك وما يرونه هو صورة مشوهة تشبه الحقيقة لكنها ليست هي، إنهم لا يستطيعون أن يروا الحقيقة إلا من وراء حجاب، وحينها لن تصبح الحقيقة حقيقة، فالإنسان محدودٌ بحواسه...
"بلا وجه" عدة أيام مضت على إصدار تلك الرواية عن دار فصلة
للكاتب والأخ العزيز "نور الدين علي سليمان"ن
حقيقة الأمر لا أعرف كيف ابتدأ ولا من أين! فلو أردت نقدًا كافيًا وافيًا لمثل هذا العمل الأدبي لما كفاه و وفاه كتيبٌ صغير،
لا أخفيك خبرًا أنني شعرتُ في بداية قراءتي بأني أمام شابٍ يملك ثراءً لغوي لا بأس به يحاول الإستعراض قليلاً ولا يستطيع إحكام قبضته على القصة،ولكنني أدركت مع تعاقب الصفحات،الصفحة تلو الصفحة والسطر تلو السطر بل والكلمة تلو قريتنها أنني أمام أديبٍ كبير ومفكرٍ ناضج
أما بعد
فطريقة السرد التي استعملتها أو ربما استعملتك،لم تروقني كثيرًا وجدتك تتدخل ك "نورالدين"كثيرًا للتعبير عن شعور ما أو إنفعال يعلو أحد الشخصيات كأنه عاجزًا عن التعبير وهو بدوره يؤثر نوعًا ما على مصداقية الشخصيات،لذا فقد لازمني طوال قرائتي أنني أجلس معك فتحدثني عن خبر تلك القصة،ما جعل شخصيتك طاغية عليهم قليلاً
أما عن الألفاظ والأسلوب الأدبي فهو أمرٌ لا غبارَ عليه أضاف إلى العمل رونق وسحر لا ينضبان أبدًا،كما أغدق علي شعورًا بالزهو أنني أعرف هذا الكاتب شخصيًا،ولكنني أعيب عليك ذلك الإطناب الجلي في الكثير من المواضع لم تكن تتطلبه ولكن يغفر ذلك أنه لم يكن عديم الفائدة تمامًا..
أما عن الخيال ففي بداية القصة أيضًا كنت أبحثُ عنه كثيرًا بين السطور كما أبحثُ عن ضالتي حتى زاورني شك إن هذه الرواية تفتقر إلى الخيال ولكن سُرعان ما خبا هذا الشك تمامًا واحتال ذلك الخيال إلى شيء لامع كأنه إكليلٌ من ذهب تم نفضه للتو من ذلك التراب الوهمي الذي اعتلاه بوضوح في بادىء الأمر ناهيك عن تلك التشبيهات الممتدة التي لا تكاد تفرق منها بين الحقيقة والخيال
لا أجد حرجًا في قول أن صياغة بعض الأحداث والمواقف_ التي تُعد من ملحقات يومنا الأساسية_ أشعرتني كما لو أنني طفلاً صغيرًا يشهد هذا الحدث لأول مرة يراه من جوانب أخرى بدت لو أنها غير موجودة من الأساس
الحبكة المعتمدة على الأمراض النفسية وخاصة حالة الفُصام وتعدد الشخصية قُتلت تنفيذًا وغدت مهترأة بعض الشيء الرواية تشبه إلى حدٍ كبير الفيلم الأمريكي"beautiful mind" ولكنني تعجبت كثيرًا من حل عُقدة هذا الصراع الذي أحالها إلى قصة إستثنائية للغاية كما كان تطويع القصة لغرضك المنشود في الإجابة عن تلك الأسئلة الخاصة بماهية حُرية الإرادة والوجود جعلني مشدوهًا للغاية ماهذا الجنون!
الرواية ليست عملاً أدبي بقدر ما هو نتاج عصف ذهني لمفكر ناضج مثقف تمردَ على الإبتذال والفقر الفكري المستشري!
فكم ياتُرى أديب معاصر في عالمنا العربي تحوي أعماله الأدبية ثراء لغوي ومعلوماتي وفكري بهذا القدر!
حديثك عن الزمن والوجود والإيمان والأمراض النفسية والخبرة الذاتية وسطوة الأقدار كم يا تُري!
أعلم أن هذا ليس بوافيًا ولكن خير الكلام ما دلّ إن قل
كان لزامًا علي أيضًا أن أُنهي رؤيتي بهذا القول"أنه لو وُضعت الأمور في نصابها الحقيقي لغدت هذه الحالة وصاحبها في مكانٍ آخر...
رواية: بلا وجه. الكاتب: نورالدين علي سليمان. التقييم: 5🌟
معاناة نفسية متكالمة، في البداية تحكي الرواية عن شخص مغترب في القاهرة عن الصعيد ويعاني فقط من ثقل النطق، مجموعة من الأحداث تعصف به لتكشف عن أزمة طفولة سببت له هواجس وتكاد تكون حطمت مستقبله بالكامل. الأحداث تدور حول الزمن والوجود والإيمان والأمراض النفسية. ولا يخلو أبدا عن نظريات فزيائية ومعلومات عامة في كافة الفروع "كأسلوب متأصل في روايات الكاتب"
عن البطل، إن شخصا في مثل حالته يحيا حياة لا وجود لها إلا داخل مخه فقط، مخه هو المايسترو الذي يقود الأوركسترا الحياتية، ويصنع له عالما افتراضيًا يعيش فيه وحده، جزيرة خيالية لا يتوطنها إلا هو نفسه، ويظن أنه يعيش فيها مع باقي البشر، وكأن حياته كانت بالونة تحيط به هو وحده، تعزله وترتفع به أعلى فأعلى، فلا يبصر من الحياة إلا وهما، ولا يبصر من الوهم إلا حياة، ولما بدأ يدرك ذلك، انفجرت بالونته فجأة، وهوت به على الأرض بشدة، تمزقت لها نفسه وتخشب معها جسده.
تجربة على المخ، إن الأمر كله مجرد شريحة، أنتجت شخصيات مختلفة نتائج أزمات نفسية يجاهد العقل لدفنها فتظهر بارتباك مسببة انفصام.
سعة خيال لكنه لا يخرج عن الواقع، وواقع النفس وما يدور بداخلها أكبر وأعظم من أن يُوصف وأقل بقليل من كل ما ذكره الكاتب.
يتقاذفك الغموض لتعيش المغامرة بكامل التشويق فتنفعل مع الأحداث وتتعافل مع الأزمة العقلية التي يعانيها نادر وتشفق عليه وتتمنى لو تستطيع أن تخلصه من عذابه.
الحبكة: رغم كل ما تحمله من أمور مجردة لا يمكن الحكم عليها، إلا أنها مرتبة ودقيقة لا يرفضها عقل. السرد: سلسل وبسيط ولا يحمل أي تعقيدات. اللغة: فصحى بمعاني وكلمات دارجة ليس بها أي صعوبة. تجربة ممتعة، لا كاتب هاوي بل إنه يمتلك موهبة جديرة بالاحترام والانحناء ورفع القبعة.
اقتباسات:_ 🌸الحياة، ما الحياة، إنها ضفيرة واسعة تلف حول العنق، وكل يوم.. مع كل يوم تضيق هذه الضفيرة مليمترا فآخر، حتى يأتي اليوم الذي تحكم فيه وتجز على العنق فتقطعه أو تخنقه، الحياة موث، كل يوم نحياه هو يوم نموته.
🌸 إنه أبوه، الحاج محمد، هو التربة الخصبة التي أقيم عليها كل هذا، إنه ذو شخصية انسحابية انهزامية، شخصية تركن إلى أسهل الحلول، بل أسهل الاختيارات التي ليست في الغالب إلا اختيارات خاطئة.
🌸إنهم لا يستطيعون أن يروا الحقيقة إلا من وراء حجاب، وحينها لن تصبح الحقيقة حقيقة.. لا أحد يرى الوجود على حقيقته، ولا أحد يعلم حقا ما هو الوجود...
🌸صدقني لا أحد يعلم... أما عن غايته التي كنت تسأل عنها، فقد كانت له الحرية في صنعها، في اختيارها، لأنها لا تفرض عليه، ولا تكون محددة سلفا.
🌸فهي ليست من ضمن المقدمات الحتمية، بل إنها من ضمن النهايات التي يصنعها الإنسان لنفسه، فإذا سعى لها فتستُنسج من نسيج العدم، لتكون كيانا حقيقيا، كائنا حيا نابضا..
🌸 فهو ما إن يرى أن له غاية فستخرج له الغاية، هكذا تُصنع الغايات، وأما إن رأى نفسه بلا قيمة، حينها اللا قيمة هي الناتج.. ولكن.. ها.. ولكن لقد فات الأوان على هذا،
🌸هناك عاصفة قادمة، عاصفة ستبدد كل شيء قام قبلها، عاصفة لم يتوقعها أحد قط..."
🌸فكل ما يعتقده عن العالم مشوة بصورة ما، ولكنه يتفاعل معه على أنه حقيقة واقعة، إن أغلب الواقع الذي يحياه ليس إلا نسجا من خياله هو وحده، فكونه يرى أشخاصا لا وجود لها، ويسمع أناسا لا وجود لهم، فهذه هلاوس بصرية وسمعية Hallucinations
🌸"وذلك لأني أعشق الحرية، أكره أن أكون مقيدا بقيد.. أي قيد.. مهما كان.
🌸لم يكن أمامها إلا مذكراتها، وبضع أوراق تكتب فيها ما يطرأ على خاطرها، كانت هذه هي الخط الفاصل الأخير بينها وبين شفا حفرة الجنون.
تعليقي الأخير، أن إسم الرواية ربما كان أدق لو كان أوجه عديدة وليس بلا أي وجه، ولكن ربما أراد الكتاب أن يقول أنه من تعدد الشخصيات داخل نفس الجسد فأصبح لا يملك أي وجه. Five stars 🌟🌟🌟🌟🌟
This entire review has been hidden because of spoilers.
عن الكتاب: يحكي عن قصة شاب من أقصى الصعيد يواجه مشكلة الجيل في البحث عن فرصة عمل مناسبة لمستواه التعليمي لكن تواجهه مشكلة نفسية تسببله صعوبة في النطق والتواصل.
توطئة للكتاب: إنهم لا يستطيعون أن يروا الحقيقة إلا من وراء حجاب، وحينها لن تصبح الحقيقة حقيقة.. لا أحد يرى الوجود على حقيقته، ولا أحد يعلم حقا ما هو الوجود... صدقني لا أحد يعلم... أما عن غايته التي كنت تسأل عنها، فقد كانت له الحرية في صنعها، في اختيارها، لأنها لا تفرض عليه، ولا تكون محددة سلفا، فهي ليست من ضمن المقدمات الحتمية، بل إنها من ضمن النهايات التي يصنعها الإنسان لنفسه، فإذا سعى لها فتستُنسج من نسيج العدم، لتكون كيانا حقيقيا، كائنا حيا نابضا.. فهو ما إن يرى أن له غاية فستخرج له الغاية، هكذا تُصنع الغايات، وأما إن رأى نفسه بلا قيمة، حينها اللا قيمة هي الناتج.. ولكن.. ها.. ولكن لقد فات الأوان على هذا، هناك عاصفة قادمة، عاصفة ستبدد كل شيء قام قبلها، عاصفة لم يتوقعها أحد قط..."
لمحة عن الكتاب: كعادة أساسية في أسلوب الكتاب الحديث باستفاضة عن دواخل النفس وما يتعلق بها وطرح التساؤلات العلمية والجواب عنها.
اللغة: الفصحى الراقية مع دقة اختيار الكلمات التي تناسب كل شخصية حسب بيئتها.
السرد: سلاسة التنقل بين الأحداث مع منع الفهم الخاطيء أو الملل. روايةممتعة