المقدِّمة
الحمد لله على توفيقه وفضله ونِعمته ومِنَّته وتيسيره؛ فها هوا ذا كتاب «النهاية في العروض» يخرج في صورة قَشِيبة، بعد سنوات من تحرير مسائله وتدقيقها، ومراجعة أولي العلم والفضل ومناقشتهم في ملاحظاتهم القيِّمة على الكتاب.
وقد ابتغيتُ من هذا الكتاب أن يكون فريدًا في بابه؛ فكان منهجي فيه ألَّا أترك مسألة من مسائل العروض- حتى المسلَّمات- إلا ناقشتُها ودلَّلتُ على رأيي؛ وذلك أني كنت أقرأ الأشعار القديمة والحديثة قراءة نقد وتمحيص، إضافةً إلى اطِّلاعي على أكثر كتب العروض قديمًا، وكثير من الكتب الحديثة، ووجدتُها تشترك في أمور لم أستسغها؛ منها افتئات العَروضيِّين على الشعراء، وتحديد قواعدَ تخرج عمَّا حدَّه الشعراء للشعر، وهم أصحاب الموهبة والذائقة، فكتبتُ هذا الكتاب أتغيَّا أن أربط بين الشعر والعَروض، وأن أجعل الشعراءَ هم المرجعَ؛ إذ إن العروضيين قد ابتعدوا كثيرًا بقواعدهم العروضية في أمور كثيرة عن الشعر وطريقة الشعراء.
وراعيتُ في الكتاب صنفينِ؛ الشاعرَ الذي يَطلُب ما يحتاج إليه صافيًا سهلًا دون الخوض في مناقشات واستدلالات، ففي أثناء شرح البحر جعلت عنوانًا (ما يحتاج إليه الشاعر)، ألخِّص فيه صور البحر وعِللَه وزحافاتِه الجائزة له، والباحثَ وطالب العلم الذي يطلب الاستدلالاتِ والمناقشات.
وقد قال لي بعض أهل العلم بالعروض في مناقشات بعض مسائل الكتاب: «إن ما أَثَرْتَه في هذا الكتاب سيثير جدلًا كبيرًا»، ولا بأس؛ ما دام ذلك سيحرِّر مسائله، ويعيد النقاش في مسلَّمات لا تصحُّ، قد استقرَّت بسبب عدم مناقشة مسائل العروض، ونقلها دون تمحيص؛ مثل مسائل الخَرم والخزم، والتغييرات العروضية الأربعة، واستدراك الأخفش للمتدارك على الخليل، وكثير من الزِّحافات والعلل، وبعض عيوب القافية، والضرورات الشعرية...إلخ.
وبعد الانتهاء من الكتاب عرضتُه على بعض أعلام العربية؛ مثل العلَّامة سعادة الدكتور سعد مصلوح، فردَّ عليَّ برسالة، سأورد نصَّها بعد هذه المقدِّمة.
وقد عرضتُه أيضًا على العلَّامة سعادة الدكتور شعبان صلاح أستاذ العروض بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فقرأه قراءة خبير، لم يترك لفظة أو مسألة تحتاج إلى نقاش ومراجعة إلَّا علَّق عليها، حتى زادت تعليقاته على الخمسين، وجلستُ معه بمكتبه بكلية دار العلوم جلسة طويلة نتناقش في بعض مسائل الكتاب التي علَّق عليها.
وكذلك عرضتُه على علَّامة العربية الأستاذ حسني حسناين الجُهنيِّ، فذكر نصًّا إعجابه بالكتاب، وبتناوله العَروض بطريقة غير تقليدية؛ بل بطريقة الشاعر الناقد، المنتخِب لما ينفع عند الحاجة، ويروي عند الضرورة، مع تعرُّضه للقضايا الشائكة، وعدم التهرُّب من المواجهة؛ نصحًا لطلبة العلم وأهل الشعر والأدب؛ خاصة من يعاني كتابة الشعر، ومواجهة صعابه؛ على حدِّ وصفه.
وقد أفدتُ كثيرًا من ملاحظات أساتذة العربية، وأَعَدْتُ قراءة الكتاب مرَّاتٍ ومرَّات في ظلال كلِّ الملاحظات التي أتتني، لم أترك كلمة دون الاهتمام بها ومراجعة ما كتبتُ في ضوئها، فجزاهم الله خيرًا على ما بذلوه من حسبة العِلم، وجزى الله كلَّ من نصحني أو راجعني خيرًا، والعلمُ رحم بين أهله.
وإذ خرج الكتاب بفضل الله؛ فيسعدني أن أرحِّب بالتقويم، والنقد البنَّاء الهادف، والمناقشة الجادَّة الموضوعية، بعيدًا عن التقليد الأعمى، والتجديد الفارغ من المضمون والهدف، ويسعدني التواصل معي على البريد الإلكترونـيِّ المذكور في السيرة الذاتية آخِرَ الكتاب.
أما اقتراح سعادة الدكتور سعد مصلوح بعمل ملحق للكتاب، فبإذن الله سألخِّص ما جاء في هذا الكتاب لعمل كتاب بعنوان «كيف تكتب الشعر الفصيح؟»، أجمع فيه لأهل الشعر ما يحتاجونه من فنون العربية كالعروض والنحو والصرف والبلاغة والإملاء...إلخ، وكيف يحصِّلون ما لا غنى عنه للشاعر من علوم العربية؟
واللهَ تعالى أسألُ أن يتقبَّل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتحقَّق قصدي من هذا الكتاب وينفع به، وما كان فيه من توفيق فمن الله، وما كان فيه من خطأ أو شطط فهو من نفسي ومن الشيطان.
عبدالحميد ضحا
القاهرة
22 شوال 1439هـ
6 يوليو 2018م
نص رسالة سعادة الدكتور سعد مصلوح
«السلام عليكم، أسأل الله أن يأتيك كتابي هذا وأنت ومن تحب في خير حال.
ثم أما بعد:
فقد قرأتُ كتابك قراءة تلبُّث، وأشهد إنه لكتاب جاد رصين، ولعله من أجمع المصنفات وأمتعها في بابه، ومن أوفرها حظًّا من الوضوح والتنظيم والإتقان والإحكام، وأحفلها بالرؤية الخاصة والتجربة الفردية المنتجة، وأشدها خصوصةً. إنه كتاب يغني بحق عن كثرة كثيرة من الكتب في هذا الفن الذي تواردت عليه عشرات الأقلام، وما كان لها من فعل إلا أن يستنسخ بعضها بعضًا في غير ما إضافة تُذكَر.
وإن كان لي من ملاحظ، فهي ملاحظ قارئ معجب محبٍّ يطمح إلى الكمال بحسب رؤيته التي لا تبرأ من النقص، وأوجزها في:
١- أرى التخفُّف من إيراد قصائد برمَّتها للتمثيل أو التوسُّع في التمثيل في الموضع وعلى الرأي الواحد، والاجتزاء من ذلك بما يحقِّق المقصد، وأن يكون الحرص على تنويع التمثيل بحسب تنوُّع المسائل هو الأصل.
٢- أن تستفيد من ثروة النقول في عمل ملحق للكتاب يكون مجالًا لتدريب القارئ على إعمال فكره في ما تضمَّنه الكتاب من قضايا فيكون المنقول موضوعًا للتأمُّل المعقول.
٣- أن تخفِّف من الاستشهاد بشعرك؛ حتى لا تحرم القارئ من قراءته مجموعًا في ديوان، ولا يذهب إيراده منجَّمًا في أثناء مسائل العروض بطراءته حين يظهر للناس في صورة عمل فنيٍّ قائم برأسه.
٤- بدا لي أن ثمة مشكلًا في استخدام مصطلحي (الشعر الحر) و(الشعر المرسل)؛ فقد شاع على أقلام الكتَّاب إطلاق المصطلح الأول على ما أصبح يسمَّى (شعر التفعيلة) في حين أن المعنى المصطلحيَّ للشعر الحر هو استخدام أكثرَ من وزن في القصيدة الواحدة، ومن ثم كان يسمَّى (مجمع البحور)، وقد عالمهما بالتفصيل كتاب موريه الذي ترجمناه أنا والدكتور شفيع السيد. أما الشعر المرسل فقد وقفتَ عنده وقفة جيدة في حديثك عن القافية.
٥- أعجبتني نظراتك في آراء نازك الملائكة. لكنك أطلت الوقوف والاقتباس على هرطقات حلمي سالم ، ومارست عليه من العنف اللغويِّ ما قد ينشأ عنه من المشكلات ما نحن في غنى عنه. صدِّقني! إنهم هلال فقاعات صابون لا قيمة لهم ولا وزن ولايستحقون منك غير إشارة عابرة تعقب مقتبسًا أو مقتبسين من هذه الهرطقات. والقارئ قادر على أن يميز الخبيث من الطيب، وأرى الاجتزاء بالإشارة إلى مقالك فيه دون إعادة تضمينها في الكتاب.
وخالصة القول أنه عمل جاد ورائع ورصين، وأني لم أقرأ في ما قرأت من كتب هذا الفن ما يسدُّ مسدَّه، وما أوردتُه لك هو ملاحظ قارئ معجب، والرأي الأخير هو لك. وأبالغ في دعوتك إلى سرعة الدفع به إلى النشر لتعم به الفائدة. وفَّقك الله وأدام عليك نعمة الإتقان!».
* * *