يتابع هذا الكتاب أنطوني دو ميلّو محلّقاً في حواراته وتفاعلاته اليومية مع الموضوعات كافة التي تنعش قلوب مستمعيه. وهو هنا يمارس عمله المعتاد في توعية الناس إلى عظمتهم، وإعلان رسالة الوعي- اليقظة متيحاً لنا رؤية النور الذي نحن عليه لأنفسنا وللآخرين، ومعرفة أنّنا أفضل ممّا نعتقد.
جعلني هذا الكتاب أفكر في آية "تغيروا عن شكلكم بتجديد اذهانكم" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 2 ) بشكل مختلف وأكثر تفصيلًا. فماذا يعني تجديد الذهن؟ كيف يبدو الذهن الجديد الذي يختلف كليًا عما كبرنا عليه من أفكار حول كل شيء صغير كان أم كبير في حياتنا؟ بداية مما نعتبره مجرد جوامد كالأشجار أو العصافير من حولنا، كيف نراها وكيف نفكر فيها؟ وصولًا إلى أفكارنا عن الله، كيف تؤثر معتقداتنا التي اكتسبناها مسبقًا على رؤيتنا لله كيفما هو، هل نراه أم نرى أفكارنا عنه؟ وبالمثل عن الأشخاص من حولنا، هل نراهم حقًا أم نحن نرى تصوراتنا عنهم، هل نحبهم حقًا أم نحب ما نظن أنه هم؟ أجد أيضًا أن وصف الكتاب للمشاعر السلبية وكيفية التعامل معها هو هام جدًا، فالكاتب يدعونا لألا نتماهى مع المشاعر السلبية، فأنا لست الاكتئاب وأنا لست القلق، ربما أنا حقًا أمر بحالة من القلق أو الاكتئاب ولكن لا يجب أن أتماهى مع هذه المشاعر باعتبارها أنا! المفاجئ في الكتاب أن كاتبه قد توفي منذ أكثر من 30 عام! بالرغم من كون كلامه يبدو وكأنه يتحدث عن واقعنا اليوم، كلام يصف حالنا كأفراد نعيش في العقد الثالث من الألفية الثالثة! الكاتب هو أنطوني دو ميلّو، راهب كاثوليكيّ، يسوعيّ من الهند، توفي عام 1987 وهو ما أثار دهشتني بعد قراءة كتابه، وبالتأكيد لن تكون هذه آخر مرة أقرأ له فيها.