منذ ذلك اليوم الذي صادف فيه طيف ملهمته السابقة، كبرت إعاقته الشعرية، بعدما اندفعت ذكريات كل ما عاشه معها إلى سطح ذاكرته الممتلئة عن آخرها بالصدمات المُدْمِية المتوالية، وتدهورت حالته النفسية أكثر حينما ابتاع روايتها ذات صباح.. وليته لم يبتعها، أو بالأحرى، ليته مات قبل أن يقرأ ما تجرأت تلك المرأة البشعة داخليا على كتابته عن قصة حبهما المُشَوّهة، ألمْ يَكْفِها حجم الأذى الذي سببته له لتمنح نفسها حق استلهام رواية من تفاصيل علاقتهما التي استمرت لأزيد من سنتين؟ أيحق لمن يدعي أنه كاتب في هذا العصر أن يستغل مشاعر أناس ذنبهم الوحيد أنهم أحبوه ووثقوا به وجعلوه يدخل إلى حياتهم السرية ويستبيحها، فقط ليكتب رواية يحسب أنها ستنجح لأنها مستوحاة من ضحايا حقيقيين؟
كاتبة و مترجمة مغربية، من مواليد العاصمة العلمية فاس خريجة كلية الحقوق، شعبة قانون خاص باللغة الفرنسية نشرت لها عدة قصص قصيرة ومقالات في العديد من الصحف و المجلات الثقافية، وسنة 2013 أصبحت كاتبة عمود " ممنوع على الرجال " بجريدة الأخبار المغربية أصدرت مجموعتها القصصية الأولى " مقامات مخملية " سنة 2015 قررت التوقف عن الكتابة الصحفية والتفرغ لكتابة أعمالها الأدبية، ثم صدرت روايتها الأولى تيلاندسيا عن دار كيان للنشر و التوزيع تزامنا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017 تلتها مجموعة من الأعمال فصدرت لها رواية ذاكرة قاتل عن دار أكتب للنشر والتوزيع سنة 2018 ، والمجموعة القصصية في غفلة الانتظار تزامنا مع المعرض الدولي للكتاب و النشر / البيضاء، و بعدها رواية أوركيديا سوداء عن دار أكتب، ثم رواية قبل النهاية بقليل عام 2021، وديوان الأبدية كرقصة التانغو 2023. بدأت مشوارها كمترجمة سنة 2018 عبر تبنيها مشروع ترجمة الكلاسيكيات الفرنسية، صدرت لها عدة ترجمات نذكر من بينها ترجمة رواية آخر يوم لمحكوم بالإعدام لفيكتور هيغو وترجمة الديوان المؤثر أزهار الشر للشاعر شارل بودلير، ورواية السقطة لألبير كامو ورسائل إلى شاعرة لغوستاف فلوبير.
قضية الإبداع، النضوب الإبداعي، المقاومة الداخلية عن الإتيان بممارسة إبداعية أيًا كانت... لماذا نتوقف عن الكتابة، الرسم، عزف الموسقى.. أو أي نشاط إبداعي آخر؟ لماذا نشعر فجأة وكأن الكلمات تاهت منا، أو غادرتنا لغير رجعة،، الإلهام توقف، رحل، لم يعد يقاربنا أو يقترب منا.. ما الذي يحدث ويمنع انثيال الأفكار والمشاعر؟ ما الذي يقيدنا؟ وإلى متى؟ أنحتاج الملهمات التسع حقيقة؟ أم ان الأمر منوط بنا بدواخلنا؟
رواية أوركيديا سوداء برمزية عناصرها، التي أعادت سلمى الغزاوي توظيفها داخل عمل عميق الفكرة والطرح.. الأوركيد فائقة الجمال سريعة الذبول.. زهرة لا مثيل لها في جمالها وفي تنوع أشكالها، وندرتها وفنائها، فزهور الأوركيد على تنوع فصائلها وأشكالها، زهرة قصيرة العمر، تحتاج رعاية وعناية فائقة للمحافظة عليها، وفي كل الأحوال لا تبقى، فهي تغادرنا سريعًا لكنها تترك أثرها بقلوبنا وبذاكرتنا.. وربما لهذا اختارتها سلمى لتكون عنوان روايتها.. فهي كالإلهام يأتي على حين غفلة ويغادرنا سريعًا، لكنه يخلف لنا منتج إبداعي هو ذاك الذي يبقى.. كأثر الأوركيد في قلوب عشاقها.. في قالب إنساني فردي/جمعي تتصاعد أحداث الرواية من خلال بطلها فريد كامل الجيلالي، مغربي الأصل المولود بفرنسا، شاعر وأستاذ جامعي.. حقق نجاحًا أدبيًا كشاعر تتصدر أعماله الشعرية قائمة المبيعات وتستمر عليها لفترات طويلة.. أصابه نضوب إبداعي وتوقف عن زيارته الإلهام.. رغم الثراء المحيط بحياته الإبداعية، فهو يحيا بمارسيليا، حياة ميسورة، لديه من الأصدقاء من يمتلكون مقومات الإبداع مثله، فمنهم الممثل ومنهم المخرج والمؤلف الموسيقي، كما أنه ابن فنانة فرنسية تعمل بالنحت ورسام مغربي الأصل تعلم الفن ودرس أصوله بفرنسا ومارسه طيلة حياته، حتى خالته ممثلة مسرحية سواء أقبلنا أم رفضنا فنها إلا أن الوسط المحيط به يحمل الكثير من العناصر المساعدة على استمرار الإبداع .
لماذا إذّا النضوب الإبداعي؟ هل صدمته العاطفية؟ هل وفاة والدته وبقائه دونها بعد فقدانه لوالده منذ دراسته بالمرحلة الثانوية في ظروف غامضة؟ هل افتقاده لهويته كإنسان بين أصوله المغربية التي لا يعرفها وحياته بفرنسا التي ينقصها اعتراف المجتمع الفرنسي به كاملًا غير منقوص.. فالعنصرية رغم كل شيء وجدت طريقها لأفراد المجتمع وليس الجميع على قبول بالمهاجرين أو ذوي الأصول الأفريقية أو العربية أو غيرها، وها هو المجتمع يوجه ضربته لكيانه الإنساني عندما يغتال أحدهم صديقه الجزائري في سلسلة من أعمال العنف العنصرية النزعة ضد المهاجرين.
سطوة الشعر وطغيان شخصية الشاعرن لنقل جبروته، فالشاعر بالعموم يدرك سر قوته وبين صنوف الأدب المختلفة ورغم اكتساح الرواية بشكل عام إلآ ان ارتباط الشعر بالفنون والألوان والموسيقى والجمال والعشق والرغبات الجنسية والمشاعر الإيروتيكية، وإلهام ربات الجمال والفنون وإله الشعر أبولو وغير هذا مما أحاط بهذا اللون الأدبي بما يشي عن طغيان إبداعي وجنون من نوع خاص.. هوميروس، فيرجيل، دانتي أليجيري، بودلير، هيجو، جوتييه أسماء ومعان وجنون التجربة وهلاوس الشعراء، وافتتانهم بإيراتو كواحدة من ربات الجمال، وملهمة للشعراء..
وفي النهاية يعود الإلهام، ربما بوجود روزا، كملهمة عاشرة أو كضحية من ضحايا الشعر والشعراء، أو كهاجس استولى على فريد رغم أن غروره كشاعر أو ثقته بإبداعه هي ما جعلته يعود للكتابة بديوانه الأخير "قلعة الشعراء" الذي يحقق نجاحًا منقطع النظير ويفوز بأرفع جائزة إبداعية، ويفتح له المجال لنشر ديوانه الذي رُفِض من قبل "منفى الأبرياء"؛ وما الغريب فهكذا يمضي الأمر دائمًا، هناك عمل ما للمبدع يفتح الأبواب لأعمال أخرى سواء أكانت تفوقه جودة أو لا تكافئه قيمة..
يبقى الشعر ويبقى الشاعر، فهو الإنسان، والأوركيد دونه تذوي وتذبل وتموت ويُنسى أثرها.. هو من يجعلها باقية، هو من يمنحها الخلود...
أوركيديا سوداء.. رواية تهدي قارئها باقة من الأضداد، ترسم لوحة جميلة، وتخبرك أن قبح الصراع استنفذ مبدعها كي يقدمها لك، لتستمع بها وأنت لا تدري كم لاقى من صعاب كي ترى النور..
لا تظلموا المبدعين، ولا تطالبوهم بما لا تستطيعون عليه قياسًا، فمن يمتلك موهبة الإبداع يحمل معها همومًا لا يسهل تقييمها.. من قِبَل المتلقين.. إنه عذاب المبدع ومتعته .. إنها حياته التي تجمع بين ثنياها حيوات العديد من الأوركيدات السوداء.
شعر، حب، رومانسية، فن، فلسفة، ميثولوجيا، خيال، و أحداث تاريخية حقيقية... هذه هي المواد الأساسية التي اعتمدت عليها الكاتبة في سرد هذا العمل الأدبي الذي يستحق القراءة. من خلال قراءة الرواية يتضح أنها كُتبت بعد بحثٍ دقيق في تاريخ المغرب أيام الحماية الفرنسية و عهد الباشوات، خاصة -الباشا المزواري- ، سنوات المجاعة سنوات " البون" وهو "...ابتكار السلطات الاستعمارية لنظام عُرف بنظام التموين لتوزيع المواد الاستهلاكية الأساسية من دقيق وسكر وزيت بمقادير ضئيلة على المواطنين المغاربة الجوعى..." ص 237 هي غنية بالأحداث المهمة في تاريخ المغرب التي غيرت أحواله سياسيا و اقتصاديا، هو مغرب عظيم عانى كثيرا ومازال...و أنا أقرأ مذكرات " ابراهيم" تساءلت كيف بعد هذه الحقبة الدموية السوداء مازال الوطن يعاني؟! و متى نرتقي بالفِعل! " مذكرات ابراهيم" هي أكثر ما شد انتباهي في الرواية و قد أبدعت الكاتبة في إدماجها في الرواية بشكل متناسق و مُشوق، بمعنى جعلت من روايتين روايةً واحدة تجمعهما الشخصية الرئيسية: الشاعر " فريد" حفيد الباشا الجيلالي الكامل، الفرنسي من أصل مغربي وهو شاعر و أستاذ لتاريخ الفن ابن رسام و نحاتة، و هو فعلا فريدٌ من نوعه، لدرجة أن الكاتبة سوف تفاجئ القارئ بحقيقته و ذلك في الفصل الآخير للرواية. اكتسبتُ العديد من المعلومات المهمة التي كنت أجهلهاعن تاريخ وطني -جزء منه- فلهذا الوطن تاريخ عتيق و عظيم لا يمكن سرده في رواية او كتاب واحد. كذلك معلومات قيمة في عالم الميثولوجيا بحيث كنت أحيانا أضع الكتاب جانبا و أستعين بالبحث على الانترنيت لمعرفة المزيد. كُتبتْ ببلاغة و لغة عربية فخمة، كانت هناك كلمات لأول مرة أتعرف عليها و أضيفها إلى قاموسي العربي المتواضع جدا. تسافر بك الكاتبة من مارسيليا الى المغرب ومن المغرب الى مارسيليا، من الخيال إلى الواقع، و العكس، ومن الحلم إلى الحقيقة و العكس، لكنك لن تَتوهُ بين كل هذه المحطات، ماضيها وحاضرها فالسرد مُتصل ومشوق. قراءة ممتعة! --- رواية أُوركيديا سوداء جحيم شاعر/ الكاتبة سلمى الغزاوي غلاف: أحمد فرج اللوحة للرسام الفرنسي غابرييل دوكول Poet and muse. 424 صفحة و غلاف جميل. ------- #اقتباسات " لا أريد أن أكون خالدة، بقدر ما يهمني أن أفلت من قبضة شيطان الإبداع، و أستعيد حريتي، لأحيا حرة، و أموت حرة، حتى لو لم يخلدني التاريخ..الخلود وهم، وهم يفني بعض المجانين أعمارهم و هم يجرون خلفه، غير أنهم للأسف لا يكتشفون ذلك إلا بعد أن تفوتهم الحياة.." ص 88 ------- " كل ملهمة من الملهمات التسع تمثل وتحمي في ذات الوقت شكلا معينا من أشكال الفن أو العلم، و فيما يخص أسماءهن و تخصصاتهن، فهي مالتالي: -الملهمة الأولى " كيلو" وهي إلهة التاريخ -الملهمة الثانية " يوتيري" ملهمة الموسيقى و الشعر الغنائي -الملهمة الثالثة " ثاليا" أكثر الملهمات ظُرفا، هي ملهمة الكوميديا -الملهمة الرابعة " ميلبوميني" وهي إلهة التراجيديا -الملهمة الخامسة "تيربسكوري" إلهة الشعر الغنائي والرقص -الملهمة السادسة " إيراتو" إلهة الشعر الغزلي -الملهمة السابعة " بوليهيمنيا" الإلهة الجادة المكلفة بالترانيم و التراتيل الدينية -الملهمة الثامنة " أورانيا" إلهة العلوم الفلكية -الملهمة التاسعة " كاليوبي" تعد قائدة إلهات الإلهام لأنها أكبرهن سنا، هي ملهمة الشعر الملحمي، و إلهة النطق الفصيح ص 122 ------- "..حي الباغيات الشهير في الدار البيضاء أو " ماخور بوسبير" الكبير، الذي شيدته السلطات الفرنسية التي نظمت وقننت الدعارة إتباعا لأوامر المقيم العام المارشال " ليوطي" على مساحة تقارب 24000 متر مربع.....كان الفرنسيون يقولون إن حي البغايا الذي كانوا يجنون منه أموالا طائلة يشبه حرملكاً شرقيًا يفوح منه عبق قصص الألف ليلة وليلة، بينما في الواقع، كان ذلك الحي يتماهى مع معسكر للجنس.." ص 226 ---- "في الواقع، كان معظم المغاربة الأميين المرحبين بتواجد الأمريكيين بالمغرب- والذين رأوا فيهم أيضا مُخلّصين محتملين من الاحتلال الفرنسي-يجهلون السبب الحقيقي الكامن وراء إنزال القوات الأمريكية بالمغرب بقيادة الجنرال " إيزنهاور" ، حيث إنه جاء في إطار عملية " الشعلة" التي اختارت أن تكون الدار البيضاء قاعدة أمريكية تحت قيادة الجنرال " باتون" بهدف ضرب ألمانيا و القضاء عليها، غير أن سلطات الحماية ممثلة في الجنرال نوجيس رأت في هذا الإنزال تهديدا حقيقيا للاستعمار الفرنسي للمغرب، سيما و أن تلك الفترة عرفت تقاربا بين السلطان بن يوسف و الرئيس الأمريكي " روزفلت" اللذين ظلا يتباحثان لمدة إمكانية استفاذة المغرب من هزيمة فرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية، من أجل نيل الاستقلال. " ص 241 ----
رواية بلغة تفتقر إلى الكثير من الدقة والضبط والموضوعية على وجه الخصوص، نفسي الكاتبة تطغى في أحايين كثيرة على النص وتدخل في تشكيل رؤية القارئ للعمل، إضافة إلى النعوت التي ما تفتؤ الكاتبة تطلقها على مجموعة من الأسماء دون أن يكونو مستحقين لها أو كان من الأفضل لو تركت القارئ يتملك زمام الحكم على شخصية ما ووصفها بوصف ما. تفتقر الرواية بشدة أيضا إلى الزمن المستقبلي؛ إذ ركزت الكاتبة على الزمن الماضي بشدة، وهنا يحسب لها إشاراتها إلى الميثولوجيا الإغريقية وفترة الحماية بالمغرب، لكنها تحتاج إلى المزيد من العمل والاشتغال على اللغة وعلى مسألة التحكم في المشاعر أثناء الكتابة وتخصيص مساحة كافية للقارئ من أجل نقد العمل وتكوين وجهة نظره الخاصة.