يشهد واقعنا المعاصر اهتمامًا متزايدًا بدراسات جدوى المشروع ، وفي ظل سيطرة المادية والنفعية واللذة على الاقتصاد التقليدي ، أصبح تعظيم الربحية هو الهدف الذي من أجله تقام المشروعات الخاصة بغض النظر عن القيم الروحية والأخلاقية. والفكر الاقتصادي الإسلامي يختلف عن هذا المفهوم المادي ، فهو يسعى إلى تحقيق التوازن بين الربحية الخاصة للمشروع والربحية العامة للمجتمع ، فالربح العادل ينمو في حضن القيم الإيمانية والأخلاقية. والمستثمر المسلم مطالب أن يحسن العمل ويسهم بإيجابية في إقامة مشروعات تقيم للأمة وزنًا وقدرًا ، وتحميها من نفق التبعية والاعتماد على الغير ، وتراعي متطلبات الأجيال القادمة ، خاصة وأن نجاح الاقتصاد الإسلامي لا يرتبط فقط بإنشاء مؤسسات مالية إسلامية بل يمتد أيضًا إلى إقامة مشروعات صناعية وزراعية وتجارية وخدمية إسلامية تقوم على أحكام الشريعة في إدارتها وتنفيذ أعمالها. وهو ما يتطلب دراسات جدوى إسلامية في النواحي القانونية والتسويقية والفنية والتمويلية ترسخ لمفهوم "الربحية الإسلامية" حتى يكتب لهذه المشروعات النجاح والنمو والاستمرار ، وفي هذا الإطار يأتي هذا الكتاب الذي يتيح للمستثمر المسلم إعداد دراسة جدوى المشروع من منظور إسلامي بسهولة ويسر ، حتى يكون كما أراد الله له خليفة له في أرضه ، يحقق جوامع الخير ، فيفيد نفسه ، ويحقق البر والتنمية لمجتمعه ، وقبل هذا وذاك يقع أجره على الله ، ويكسب عز الدنيا وكرامة الآخرة.
لولا الباب الأول والباب الأخير لاستحق هذا الكتاب أن يكون كتابا بسيطا سهلا في شرح موضوع دراسة الجدوى وكيفية فهمها وإعدادها وإنتاجها.
لكن الباب الأول والباب الأخير على وجه التحديد هما أصل الكتاب وعمود فكرته، وتلك هي أن دراسة الجدوى للمشروع من منظور إسلامي تختلف عن دراسة الجدوى للمشروع من منظور علماني مادي نفعي يعتمد مفاهيم المنفعة واللذة المنفصلة عن الأخلاق والروح.
يحاول هذا الكتاب توسيع رؤية واضع دراسة الجدوى لتكون مشمولة ومحكومة بالضوابط الإسلامية في اختيار أنواع النشاط وفي النظر للمصلحة العامة وفي تقدير أولويات الأمة والمجتمع وفي الانضباط بالضوابط الشرعية للمشروع ودراسته.
وككل مرة أكتب مراجعة على كتب د. أشرف دوابة أقول: يبدأ الكتاب سهلا بسيطا سلسا يمكن للجميع أن يقرأه دون أي خلفية سابقة، ثم يبدأ الأمر في التعمق تدريجيا وتظهر مصطلحات فنية ودقائق تحتاج إلى سؤال واستفسار ممن له إلمام.. ثم يظل الكتاب بعد ذلك من أوفى ما يُكتب في الموضوع بالنسبة لغير المتخصص والذي يكتفي بالمعرفة العامة، ويمكن أن يكون بداية طيبة لمن سيتوسع ويتخصص في الموضوع.
ومؤلف الكتاب د. أشرف دوابة من أبرز الاقتصاديين الإسلاميين، وجمع بين الخبرة الفنية المصرفية وبين الخبرة الأكاديمية في التأليف والتدريس بالجامعة، وهو ما يجعل مؤلفاته تتميز بنزعة عملية واضحة يبتعد بها عن التعمق في الأمور النظرية قليلة الفائدة عمليا