أريد أن أبدأ بجمال أسلوب الكاتب في القص و براعته في الوصف. من أجمل مشاهد الوصف وصفه لجزيرة جربة كأني أراها، حتى أني اشتهيت زيارتها من وصفه الجميل. أما بعد، تتناول هذه الرواية مسألتين شائكتين. المسألة الأولى هي اضطرار الإنسان الاختيار بين الاستقرار و الحرية، بين عمل "نبيل" ومهنة رفيعة كالقضاء والطب والمحاماة مع تأسيس عائلة لضمان الاستقرار والهناء وبين الحرية التامة بدون ضوابط مهنية واجتماعية، حرية يفعل فيها الإنسان ما يحبه ويرضي نزواته. أما المسألة الثانية فشائكة أكثر لأنها تهم المجتمع أكثر من الفرد. هذه المسألة تتعلق بالعبثية التي طالت سلك القضاء أين أصبح القانون يطبق للقانون. ذكر الكاتب قضية فقير حكم عليه الشخصية الرئيسية بسنتين سجنا لأنه سرق دجاجتين وديكا. نسب القاضي للمتهم تهمة السرقة الموصوفة و ذلك باعتبار سرقة الدجاج بعد خلع القن كسرقة الديار بعد خلعها وذلك لأن كل ما يحيط بالعقار (كاسطبل و قن دجاج ...) امتداد للعقار. وبذلك تحولت الجنحة إلى جناية واهتم القاضي بالحفاظ على سلامة و"نزاهة" القانون عوض أن يحكم بالعدل. هذا مثال حي على الحال الذي وصل له القضاء الذي أصبح يهتم بالقانون وينسى أن هذا القانون قد جعل للحكم بين الناس بالعدل. بعد أن تقاعد هذا القاضي أحس أنه كان سجين نظام قضاء قتل فيه إنسانيته وإبداعه وجعله ينظر لكل شيء نظرة قطعية: أسود أو أبيض حيث لا مكان للألوان والإبداع. وجد أن حياته الماضية كانت بورا وحان الوقت ليزهر و لو في هذا العمر. قرر أن ينجز رسالة دكتورا واختار موضوع البغاء. كان البغاء في هذه الرواية رمزا للجريمة وأبعادها بصفة عامة فالقاضي لا ينظر للأسباب التي دفعت بالبغي لممارسة "الرذيلة" أو للمتهم بارتكاب "الجريمة" بل يتعامل مع النتيجة النهائية. لا تعاطف في القضاء، لا شيء غير البرود. وهنا تأتي حياة، بغيّ بركن نير، كما لكل متهم ركن نير، بغيّ امتهنت البغاء ليس حبا في الانحراف ولكن اضطرارا وهو حال كل البغايا التي درس القاضي حالتهن في أطروحته. كما تطرق الكاتب للجانب الاجتماعي للبغاء و الجريمة وعرى نفاق المجتمع الذي يبغض العهر في الجهر ويطلبه ويلتذ به في السر. هذا النقد مهم جدا لأن سلك القضاء بحاجة فعلا إلى الأنسنة، بحاجة لأن يحمي الإنسان متهما كان أم ضحية وليس أن يحمي نفسه. القانون هو القانون! عبارة نكلت بالناس منذ القدم ولازالت. رواية جميلة في معظمها. أنصح بها كل القراء وخاصة المغرومون بالمحاكمات مثلي 😁
▪︎رواية للمحامي و الروائي التونسي المنوبي زيّود لسنة 2018. ▪︎بين حياة نعيشها لا تشبه الحياة و حياة نعتقد انه يجب ان نعيشها و نرنو اليها.. بين ما تفرضه علينا الالتزامات و تكرهنا عليه الضغوطات، و أحلام و رغبات نستمر بتأجيلها.. بين طريق نسلكه عن اكراه خوفا من انتهاك معايير المجتمع و آخر نؤجل الولوج فيه خوفا من الشبهة و الفشل.. بين وظيفة تكبل حرياتنا و تنهش ربيع اعمارنا و تصدأ فيها أرواحنا و روح ترنو للإبداع و التغيير و احداث فرق.. بين الرغبة و الفضيلة.. ▪︎تدور احداث الرواية بزمن ما بعد الثورة و خلال حالة الفوضى التي عمت الشارع التونسي و كل القطاعات، حيث يقرر "عبد الغفار" القاضي المتقاعد حديثا العودة الى مقاعد الدراسة ليعد اطروحة حول البغاء ليقتحم بإسمها عالم المواخير و اللذة و يلتقي بصديقة قديمة "حياة".. رجل العقد السادس يحيي روح الشباب بداخله كما يقول الراوي مع انها لم تخمد يوما انما ازاح عنها غبار 30 سنة من ناموس القضاء ليتحرر مراهق لم تتح له يوما فرصة اكتشاف الاقبية المظلمة بداخله.. ▪︎و خلف عنوان يشد القارئ عبر موضوع البغاء تطرق الكاتب ضمنيا في روايته الى الاضطرابات الجنسية paraphilia: كالتلصص voyeurism ، و البهيمية zoophilia و كذلك لموضوع التحرش الجنسي، القضاء و ثغراته، الاسرة و الوطنية و التعصب و الارهاب الذي استفحل بالبلاد التونسية خلال تلك الفترة.. و لا يخفى عنا رمزية الاسماء المختارة؛ فعبد الغفار من المغفرة و التسامح (اسم من اسماء الله الحسنى: غفار)، و "حياة" البغيّ اكان مما قد تجرفنا اليه الحياة (المصاعب و الاختبارات و الخطيئة) او من المرأة و الجنس كمصدر للحياة و اللذة..