تناول الكتاب في بحثه ظهور الصورة و اللوحة؛ وبشكل خاص اللوحة الزيتية في حراك عثماني -عربي-أوروبي وفق مقاربات مختلفة ومتعالقة في الوقت عينه . جمعت بين التاريخي، واللغوي، والديني، والترجمي، والمعجمي، والتأليفي، والاجتماعي، والفني، والجمالي ، وغيرها. تتبعَ الكتاب وفحص دخول هذا العمل الفنى الجديد إليها، من المغرب الأقصى إلى إمارات الخليج.
أهم المواضيع أو النقاط بالنسبة لي التي سعى الكتاب في بحثها ومعالجتها فى أبوابه الثلاثة وفصوله العشرة، هي كما طرحها شريف داغر في أسئلة : أتكفي المسلم، والعربى، اللغة العربية بتعبيراتها المختلفة، من دينية إلى أدبية، ولا يريد منافستها بغيرها أم أن محاربة الديانة الإسلامية للعقيدة الوثنية فى الجاهلية، المتمثلة فى نصب وتماثيل وصور فنية، بقيت فاعلة، وأساسًا فقهيًا وقيميًا، بعد قرون وقرون على انتهاء العهد الوثنى؟ أليست هناك فوارق بين الصورة الوثنية والصورة الفنية ؟ ماذا عن "ظهور" اللوحة عربيًا: أَظَهرتْ وفق أحكام الفقهاء أم وفق متطلبات أخرى ؟ أَظَهرتْ فى دورة واحدة، وفق الوتائر عينها، فى مجتمعات عربية متباينة السياقات والأحوال ؟ أعانت هذه كلها من المصاعب عينها؟ ماذا عن حضور الصورة الفنية القديم بين الجماعات المسيحية العربية، من أيقونة وغيرها؟ أَبَقيتْ على حالها القديمة أم "تكيفت" بدورها مع متوجبات اللوحة الزيتية؟
من أميز الفصول وأجملها هو الفصل العاشر الذي يتحدث فيه شربل داغر عن الجميل جبران خليل جبران؛ دخوله المختلف إلى عالم اللوحة وماميزه عن أقران جيله، ووفق علاقة مميزة لا نجدها عند غيره بين الأدب والفن. ومنها كذلك أن جبران سلك إلى اللوحة سلوكاً مبتكراً، حاد به عن سبيل أقرانه من رواد الفن العربي الحديث. إذ قرن الفن بشواغل فلسفية ، بل خاصة بمنظوره الرؤيوي.
قلة قليلة من الأدباء، أو من الفنانين،العرب والأجانب، انصرفت إلى الأدب والتصوير في الوقت عينه. هذا ما يصح في وليم بليك( William Blake) ، وله في حياة جبران وفنه أثر كبير( على ما سيتضح)، أما في العربية فإننا لم نعرف ذلك قبل القرن العشرين، مع : جبرا إبراهيم جبرا، وإيتيل عدنان ، التي جمعت بين التصوير والشعر والرواية باللغتين الإنكليزية والفرنسية .
من يتتبع فقرات حياة جبران وصلاته ويتحقق من أنها جمعت الصلة بين ( أوروبيته) و ( غربيته) ( بوصفها "أميريكيته") ، فيما وجد صلات بيّنة، في الفكر، مع الفكر الهندي والشرقي القديم، وفي الفن، مع الإيطالي" النهضوي" والإنكليزي والفرنسي طبعاً، فضلاً عن صلاته الإنسانية المتعددة بين شعب وآخر…
من المؤكد أن تربية جبران الدينية والعائلية شكلت منبته الأول في تكوينات عقله وحلمه وتطلعاته، ماجعل من الأناجيل( والكتاب المقدس) كتابه الأول بأكثر من معنى : لا بالمعنى الاعتقادي ، والطقوسي وحسب، وإنما بالمعنى الثقافي والكتابي أيضاً، وفي ذلك ولا يختلف جبران عن كثير من أقرانه "النهضويين" المسيحيين، الذي خروجوا من الكتاب الديني لكي يصوغوا الكتاب الثقافي، فيما كانوا يتعلمون فيه أو يكتبون ابتداءً منه. دلك أنهم انطلقوا لبلوغ ثقافة أخرى، وفضاء آخر، هو ما يجمعهم في العربية ، لغة وتعبيراً، ولا سيما في مساعي النهوض بها وتمكينها من تلبية نداءات التمدن.
"أمضي حياتي في الكتابة والرسم ومتعتي في هذين الفنين تفوق أي متعة أخرى" —جبران خليل جبران.
بدأ جبران حياته رساماً واستمر في الرسم حتى آخر حياته، وترك أكثر من 700 عمل فني، تنوعت ما بين رسوم ولوحات بالألوان المائية، أعيد معظمها إلى لبنان بعد وفاته. تقف أعمال جبران في الحدود بين الشرق والغرب، بين الرمزية والمثالية، يرسم كما يكتب، ويكتب بالبصر كما لو كان يرسم، معظم لوحات جبران تصور أجسادا عارية، لكنه لم يكن يرسم العري بالمعنى المعروف، لم يرسم رجلا أو امرأة بل الجسد البشري عاريا ذلك العري الذي يشبه أجساد الملائكة العارية في اللوحات الكنسية الدينية القديمة، جسدا يتوق للسمو؛ فكانت تلك الأجساد محاطة بطبيعة روحانية مكثفة، وعندما سألته ماري هاسكل عن السبب وراء انتشار الأجساد العارية في لوحاته؛ أجاب: "لأن الحياة خلقت عارية والجسم العاري هو أصدق تعبير عن الحياة، فإذا ما رأيتني أرسم شيئا ما جبلا أو شلالا أو غير ذلك في صورة أجساد عارية، فإنما أعني أني أرى كل شيء من هذا جزءا من الحياة العارية". ودائما ما يصور أجساده ترمز إلى الألم والموت، وكان يرى أن الموت والألم هما ما خرج بهما إلى الدنيا وظلا يلازمانه.
يرى البعض أن فن جبران تابع لأدبه وشارح له، أو معبر عنه، ففي كتابه "النبي"، وضع له اثني عشرة لوحة، عشرة منهم بالألوان المائية، وجعل الرسمة الأولى والأخيرة بالرصاص، في الرسمة الأولى "المصطفى"، "أول ما يستوقفك فيه وجهه، حيث العينان واسعتان، تبدوان كأنهما لا تنظران لشيء، لكنهما في الحقيقة تبصران ما هو أدق من الأشياء، وأقصى من مجال البصر، وفي الشفتين حزن عميق وهما تنأيان عن الشهوات وكل ما فيها من ضوضاء النزاع والغيرة.. وتغطي الوجه كله سحابة شفافة من الكآبة القصوى التي تكاد تلامس الفرح الأقصى"، أما باقي اللوحات الموزعة في الكتاب فقد جاءت تعليقا على مضمونه.
كتاب رائع!