إن مساواة النساء، بالرجال، أمر لا يمنح بواسطة القوانين، وإنما ينتزع بفضل الله، ثم بفضل الفكر الأصيل الذى يستطيع إبراز كمالات المرأة العقلية، والأخلاقية، ثم تجىء القوانين بعد ذلك لتقعّد، وتبوّب، هذه القيم الجديدة، وتعطيها صفة الشرعية والإلزام، لكل هذه الإعتبارات فإننا نركز تركيزا شديدا، على ضرورة نهوض النساء بقضيتهن، بوعي وصلابة.. غير هذا، فان الحديث عن حقوق المرأة، ضرب من ضروب العبث، الذى لا طائل تحته، والذى نراه اليوم، ان منظماتنا النسائية، ظلت تطالب دائما بالحقوق وبالمساواة من غير علم بحقيقة هذه المساواة وبجوهر الحقوق، بصورة عاطفية، فرطت في الوجه الآخر من المسألة، وهو قيام النساء بواجباتهن، التي هى ثمن الحقوق، وإننا إذ ننعى على منظماتنا النسائية، هذا الوضع المؤسف، نحاول في هذا المنشور القصير، وضع خطوط عريضة لتصورنا لواجبات المرأة، والتى لو أخذت بها نساؤنا فإن حقوقهن المتساوية مع الرجال، ستكون أمرا لا مندوحة عنه..
محمود محمد طه مفكر سوداني (1909-1985). ألف العديد من الكتب وقدم الكثير من المحاضرات والندوات وقام بالكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية ونشر الفكرة الجمهورية. عُرف بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب (الأستاذ) الذي يسبق اسمه دائما عند الحديث عنه.
مولده ونشأته //
-ولد الاستاذ محمود محمد طه في مدينة رفاعة بوسط السودان في العام 1909م تقريبا، لوالد تعود جذوره إلى شمال السودان، وأم من رفاعة، حيث يعود نسبه إلى قبيلة الركابية من فرع الركابية البليلاب نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل من كبار متصوفة السودان. -توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لماّ يزل في بواكير طفولته وذلك في العام 1915م تقريبا، فعاش الاستاذ محمود وأخوته الثلاثة تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّ يلبث أن التحق بوالدته في العام 1920م تقريبا، فانتقل الاستاذ محمود وأخوانه للعيش بمنزل عمتهم. -بدأ الاستاذ محمود تعليمه بالدراسة بالخلوة، وهي ضرب من التعليم الأهلى، كما كان يفعل سائر السودانيين في ذلك الزمان، حيث يدرس الاطفال شيئا من القرآن، ويتعلمون بعضًا من قواعد اللغة العربية، غير أن عمته كانت حريصة على الحاقه وأخوانه بالمدارس النظامية، فتلقى الاستاذ محمود تعليمه الاوّلى والمتوسط برفاعة. ومنذ سنى طفولته الباكرة هذه أظهر الاستاذ محمود كثيرا من ملامح التميز والاختلاف عن أقران الطفولة والدراسة، من حيث التعلق المبكر بمكارم الاخلاق والقيم الرفيعة، الأمر الذي لفت اليه أنظار كثير ممن عاش حوله. -بعد اتمامه لدراسته الوسطى برفاعة أنتقل الاستاذ محمود في عام 1932 إلى عاصمة السودان، الواقع حينها تحت سيطرة الاستعمار البريطانى، وذلك لكى يتسنّى له الالتحاق بكلية غُردون التذكارية، وقد كانت تقبل الصفوة من الطلاب السودانيين الذين أتّموا تعليمهم المتوسط، حيث درس هندسة المساحة. كان تأثيره في الكلية على محيطه من زملائه الطلبة قويا، وقد عبر أحد كبار الأدباء السودانيين عن ذلك التأثير بقوله: (كان الاستاذ محمود كثير التأمل لدرجة تجعلك تثق في كل كلمة يقولها!) -تخرج الاستاذ محمود في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة حديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة كسلا في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ الاستاذ محمود تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية.كان الاستاذ محمود في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا، علما بارزا في النضال السياسى والثقافى ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأى في منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين ،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه. -تزوج من آمنة لطفى عبد الله، وهي من اسرة لطفى عبد الله العريقة النسب والدين، والتي تنتمى لفرع الركابية الصادقاب، وقد كان زواجهما في أوائل الأربعينات من القرن الماضى. كان أول أبناؤه (محمد) وقد نشأ في كنف أبويه متفردا بين أترابه، غير أنه ما لم يكد يخطو نحو سنى الصبا حتى غرق في النيل عند رفاعة في حوالي عام 1954، وهو لما يتعد العاشرة من عمره، وقد صبرت أمه آمنة على فقده صبرا عظيماً. كان الاستاذ محمود وقتها خارج رفاعة، فعاد إليها عندما بلغه الخبر، وتلقى العزاء في أبنه راضيا، قائلاً لمن حوله: لقد ذهب أبنى لكنف أبٍ أرحم منى! له من الأبناء بعد أبنه (محمد) بنتان هما أسماء، وسمية.
والشيء المؤكد أن اسم الأستاذ محمود محمد طه قد ظلَّ محاطاً بهالة غريبة طوال حياته. وقد ازدادت تلك الهالة كبراً عقب الوقفة الباسلة التي اختار أن يدفع حياته فيها ثمناً لقوله الحق أمام سلطان جائر، سوَّلت له نفسه التلاعب بالإسلام. وأصبح كثير من السودانيين يربطون بين وقفته الشامخة تلك، وتحديه السلمي لجعفر نميري، ومستشاريه وقضاته، وهم يتلاعبون بالإسلام، وبين تهاوي نظام وذهابه بعد بضعة وسبعين يوماً من إعدامه
إن مساواة النساء، بالرجال، أمر لا يمنح بواسطة القوانين، وإنما ينتزع بفضل الله، ثم بفضل الفكر الأصيل الذى يستطيع إبراز كمالات المرأة العقلية، والأخلاقية، ثم تجىء القوانين بعد ذلك لتقعّد، وتبوّب، هذه القيم الجديدة
الحديث عن حقوق المرأة، ضرب من ضروب العبث، الذى لا طائل تحته، والذى نراه اليوم، ان منظماتنا النسائية، ظلت تطالب دائما بالحقوق وبالمساواة من غير علم بحقيقة هذه المساواة وبجوهر الحقوق، بصورة عاطفية، فرطت في الوجه الآخر من المسألة، وهو قيام النساء بواجباتهن، التي هى ثمن الحقوق، وإننا إذ ننعى على منظماتنا النسائية، هذا الوضع المؤسف، نحاول في هذا المنشور القصير، وضع خطوط عريضة لتصورنا لواجبات المرأة، والتى لو أخذت بها نساؤنا فإن حقوقهن المتساوية مع الرجال، ستكون أمرا لا مندوحة عنه.
الحرص على العفة سبب سيطرة الرجال على النساء لقد جاء الإسلام – في شريعته الأولى – ملطفا لهذا التسلط وما كان يمكن له ان يتجاوز المرحلة وفى ذلك الحكمة، كل الحكمة، فقام التشريع على وصاية الرجال على النساء، وعلى الحجاب، وعلى إعتبار أن المرأة نصف الرجل، ولقد أدى هذا الوضع المرحلي، الى أن تظل المرأة بعيدة عن التجربة، مما رسّخ في الأذهان، ان المرأة مظنة قصور، مهما كان حظها من الرشد..
العبادة المجودة تبرز المرأة العفيفة إن إبراز المراة العفيفة، المسئولة، يقتضي العودة الى ممارسة منهاج الإسلام في العبادة، إذ ان العبادة تشحذ الفكر، وتبني الشخصية، وتقوّم الخلق، وذلك بفضل مقدرتها على توحيد البنية البشرية.
المرأة مكانها البيت .. ولكن إن المرأة مكانها الطبيعي البيت، وهذا القول لا يعنى كما يزعم السلفيون العودة بالنساء، الى مجتمعات العبودية، والحريم، ولكنه يعني إعادة بناء البيت، حتى يكون مركزا للحياة، يأوى اليه الرجال والنساء فيجدون فيه الدفء والطمأنينة، وينعمون فيه بالحب والمودة، ولا شك أن حسن التبعّل هو من أوجب واجبات النساء.
المشاركة في النشاط الإجتماعي إن على النساء المتعلمات يقع عبء المشاركة في مختلف المناشط الإجتماعية، من ندوات عامة، ومحو أمية، وتكوين للجمعيات الخيرية التطوعية التي ترعى شئون الأطفال والمحرومين وتحاول النهوض بالمجتمع، بصورة عامة، باختصار يجب أن يكون الإتجاه للمساهمة في دفع عجلة التطوّر، بكل ما تملك النساء من إمكانيات، وبكل ما تملك من طاقات..