هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العتمي اليماني، ينسب إلى بني المعلم من بلاد عتمة باليمن. ولد في أول سنة (1313هـ) بقرية (المحاقرة) من بلاد عزلة (الطفن) من مخلاف ((رازح)) من ناحية (عُتمة)، نشأ في بيئة متدينة صالحة، وقد كفله والداه وكانا من خيار تلك البيئة. • قرأ القرآن على رجل من عشيرته وعلى والده قراءة متقنة مجودة وكان يذهب مع والده إلى بيت ((الريمي)) حيث كان أبوه يعلم أولادهم ويصلي بهم. • ثم سافر إلى الحجرية- وكان أخوه الأكبر محمد كاتبا في محكمتها الشرعية- وأدخل في مدرسة حكومية يدرس فيها القرآن والتجويد والحساب فمكث فيها مدة ثم قدم والده فأوصاه بقراءة النحو فقرأ شيئا من ((شرح الكفراوي)) على الآجرومية. • ورجع مع والده وقد أتجهت رغبته إلى قراءة النحو، فاشترى كتبا في النحو، فلما وصل إلى بيت ((الريمي)) وجد رجلا يدعى ((أحمد بن مصلح الريمي)) فصارا يتذاكران النحو في عامة أوقاتهما، مستفيدين من تفسيري ((الخازن)) و((النسفي)) فأخذت معرفته تتقوى حتى طالع [المغني] لابن هشام نحو سنة، وحاول تلخيص فوائده المهمة في دفتر وحصلت له ملكة لا بأس بها. • ثم ذهب إلى بلده (الطفن) وأشار عليه والده بأن يبقى مدة ليقرأ على الفقيه العلامة ((أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي)) فلازمه وقرأ عليه الفقه والفرائض والنحو ثم رجع إلى ((بيت الريمي)) فقرأ كتاب [الفوائد الشنشورية في علم الفرائض]. • وقرأ [المقامات] للحريري وبعض كتب الأدب، وأولع بالشعر فقرضه ثم سافر إلى ((الحجرية))، وبقى فيها مدة يحضر بعض المجالس يذاكر فيها الفقه، ثم رجع إلى ((عتمة)) وكان القضاء قد صار إلى الزيديه فاستنابه الشيخ ((علي بن مصلح الريمي)) وكان كاتبا للقاضي ((علي بن يحيى المتوكل)) ثم عين بعده القاضي ((محمد بن علي الرازي))، فكتب عنده مدة. ثم ارتحل إلى جيزان سنة((1336هـ)) فولاه محمد الإدريسي- أمير عسير حينذاك- رئاسة القضاء، فلما ظهر له ورعه وعلمه وزهده وعدله لقبه بـ ((شيخ الإسلام)) وكان إلى جانب القضاء يشتغل بالتدريس، فلما توفي محمد الإدريسي سنة ((1341هـ)) ارتحل إلى الهند وعين في دائرة المعرف قرابة الثلاثين عاما، ثم سافر إلى مكة عام ((1371هـ))، فعين أمينا لمكتبة الحرم المكي في شهر ((ربيع الأول)) من نفس العام. قد مر أنه أخذ العلم عن بعض العلماء في اليمن وذاكرهم في الفقه والنحو والفرائض وغيرها، وقبل ذلك درس القرآن على والده.
تظهر جهود الشيخ رحمه الله في نشر عقيدة السلف من خلال كتب العقيدة التي حققها أو شارك في تحقيقها ومن ذلك: 1- [الجواب الباهر في زوار المقابر]: لشيخ الإسلم ابن تيمية. 2- [لوامع الأنوار البهية في عقيدة الفرقة المرضية]: للسفاريني. 3- [الرد على الأخنائي]: لابن تيمية. * وكذلك من خلال الردود التي كتبها في الرد على المبتدعة والزنادقة، وفيها يتضح نفسه السلفي جليا وغيرته على عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن ذلك: 1- [القائد إلى إصلاح العقائد](21). 2- [إغاثة العلماء من طعن صاحب الوراثة في الإسلام]. 3- [الرد على المتصوفة القائلين بوحدة الوجود].
ظل الشيخ رحمه الله أمينا لمكتبة الحرم المكي، يعمل بكل جد وإخلاص في خدمة رواد المكتبة من المدرسين وطلاب العلم حتى أصبح موضع الثناء العاطر من جمنع رواد المكتبة على جميع طبقاتهم بالإضافة إلى إستمراره في تصحيح الكتب وتحقيقها لتطبع في دائرة المعارف العثمانية بالهند. وبعد حياة حافلة بخدمة العلم ونشر السنة والذب عن حياضها والرد على أهل البدع والأهواء، توفي الشيخ صبيحة يوم الخميس السادس من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وستة وثمانين من الهجرة النبوية، عن عمر يناهز ثلاث وسبعون سنة حيث أدى صلاة الفجر في المسجد الحرام وعاد إلى مكتبة الحرم حيث كان يقيم رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن أردت أن تتعلم مهارات الحجاج، وتتلقف أساليب الجدل والمناظرة، وتتأدب بأدب العلماء، وتتأسى بصنيعهم، فدونك هذا السفر الملم، والتعليق المهم، ذو اللحظ الثاقب، والعلم الناقب..
وقد سجلت المهارات النقدية التي مرت معي لدى المعلمي بغرض التعلم والدراسة، أشاركها هنا تنبيها لعمله، واعترافا بفضله: (ص٥١) لم يسلم المعلمي للفراهي في قصره الرواية عن ابن إسحاق، بل بين مجيء الروايات عن غيره مما يقوي منها ويحتج به على منكرها. ومع ذلك هو لم يدع صحة الرواية سندا أو قوتها، لكنه يضع الأمور في مواضعها، دون مبالغة في التصحيح أو التضعيف. وفي هذا دلالة كذلك على سعة اطلاعه في علم الروايات والسير (وهذه المهارة من المهارات المصاحبة لنا طوال الكتاب). (ص٥١) لم يسلم المعلمي للفراهي في ادعائه أن في ذلك عيبا على العرب، أو عذرا لأبرهة، فكما أن الفراهي أسقط الرواية بأعذار متوهمة، فالمعلمي كذلك أسقط تلك الأعذار بمبررات. وهنا يتضح لنا مهارة تسمى في الجانب الأكاديمي بـ"إظهار الأوهام العلمية" لدى المؤلف (وهذه المهارة كذلك مستمرة معنا طوال الكتاب). (ص٥٩) الاستفادة من العلوم الحديثة كعلم الآثار والنقوش في توسيع دائرة الاستدلال وتقوية الرأي. (ص٦٠ وعلى مدى الكتاب) نلاحظ منطقية النقاش، وموضوعية الرأي عند الاستدلال دون تأثر بالمبالغات الأدبية التي قد تعظم من أمر أو تهون منه. (ص٦١) يسلم للخصم بحجته، ثم يقوم بقلب الطاولة عليه عن طريقها، فيستعمل الحجة في صالحه، ويجعل منها دليلا مقويا لرأيه (وذلك في تسليمه لعلم قريش بأن البيت بيت الله فكيف يدعونه دون قتال، فيرد عليهم بنفي الحجة، وذلك أنهم لعلمهم بكونه بيت الله، هذا مما ساهم في عدم دفاعهم عنه، فللبيت رب عظيم يحميه). (ص٦٣) عدم تسليمه لأي حجة أو اعتقاد متوهم للخصم، فنجده يبين مدى ضعف هذا الرأي وذاك بعدم التسليم لصحته أولا، فالكثير من الآراء المبطَلة أثبت لنا أنها مبنية على ظنون متوهمة. (ص٦٤) سعة اطلاعه الأدبي الذي قاده لمعرفة مناسبات الأبيات، وبالتالي عدم الوقوع في شباك أخطاء الخصم وأوهامه العلمية فيما يخص هذا الجانب، ويظهر ذلك من خلال تصحيحه لقصة البيت الدي استدل به غريمه. (ص٧٢) استدلاله بعادات العرب وطبائعهم للتقوية من رأيه، وبيان الخطأ الذي وقع فيه خصمه. (ص٧٥ وما بعدها) عدم اكتفائه بالمنقول، بل عودته للمرجع الأصل للتأكد من صحة النقل، وقد ظهرت فائدة ذلك في بيان سوء فهم الخصم للدليل وعدم نقله له وافيا كافيا. (ص٧٩) تقديمه للمشهور من لغة العرب والظاهر على المؤول، وهذا من أصول الفقه والتفسير لكتاب الله. (ص٩٠) “ومع إمكان الجمع لا محل للترجيح” هذه القاعدة من أهم القواعد الأصولية، والتي أخذ بها المعلمي والتزم بها في تفسيره، وهذه إحدى المواضع. (ص٩٥) استعمل المؤلف مهارة المنع والتسليم ببراعة، وذلك في إلجائه الخصم للتسليم بمقتضى مراده، حين استعرض مرويات الصحابة وفهمهم في مسألة أكل الطير للجثث، فقد وضع خصمه أمام أمرين: -إما التسليم بعدم فهم الصحابة ما يقتضي أكل الطير للجثث، إذن النتيجة= أن في عدم فهمهم لذلك ردا كافيا عليه، فليس بعد فهم الصحابة فهم. -أو التسليم لكونهم فهموا ذلك، ولكنهم بالمقابل لم يروا في ذلك مخالفا لكون الطير رمت بالحجارة، وحينها= يجب عليه إثبات الأكل بحجة واضحة. (ص٩٧) نجده استخدم أسلوب المجاراة والإعثار، فهو هنا يستدرج خصمه عن طريق طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها إجابة تعيد المجادل إلى المربع الأول، وتنبهه إلى موقع الخطأ في حجته، وقد نجد خلال ذلك من الأساليب الأخرى ما قد يزيد من تقوية الحجة، كأسلوب السبر والتقسيم، والمنع والتسليم، والمعارضة والمناقضة، ونقض العلة. (ص٥٩-٦٠) نجد براعة التعليل تتجلى في جلاء المؤلف عن دوافع الخصم -وذلك حين ذكر الباعث خلف ادعاء الفراهي أن أهل مكة قاتلوا الفيل، وإنكار رمي الطير-، وهو بذا أطلعنا على موطن العلة، ثم أتبعها بعلاجها ومنشأ الخطأ فيها. وتجد في تلك المهارة من قوة من التحليل ما يكفي لإقناع المتفرج، وإطلاعه على ما خفي من الدوافع والعلل، وهذا مما يقوي حجة المحتج، ويزيد من بهاء قوله. (ص١٢٣) انتهاؤه لقاعدة مهمة وهي: "عدم ارتكاب مفسدة عظيمة، لمصلحة متوهمة". وذلك إثر تنبهه لمحاولة البعض تفسير رمي الطير تفسيرا علميا وربطه برمي السماء من النيازك ونحوه، وما قد يجره ذلك لمفاسد هي في حقيقتها أعظم من مفسدة عدم تقبل البعض لفكرة رمي الطير. (ص١٣١) معرفته بالصرف والأوزان في اللغة، واتكاؤه على ذلك في تقوية حجته ودليله. (ص١٣٦) التمثيل بالأبيات الشعرية والعودة للقواميس في بيان الحجة وتوضيحها. (ص١٤٦ وما بعدها) معالجته لموضوع المجاز قبل الدلوف لصميم المسألة المراد مناقشتها من الأمور التي تدل على نباهة المؤلف، وبراعة تعليله. (ص٢٣١) استخدام أسلوب الفنقلة، وهو من أبرع الأساليب في تفنيد حجة الخصم، والإجابة عن كل تساؤلاته وإفحامه. (ص٢٣٩ وما بعدها) أحسن السبر والتقسيم، واستعرض كل ما يبطل القول دون الاكتفاء ببعض الحجج، بل ذكر كل الأوجه المحتملة وعالجها.
واللافت، وخلال ذلك كله، أن المعلمي لم يلفظ كلمة سوء، أو يلمز الفراهي بعيب.. لقد استطاع تفكيك صرح بناه الفراهي بتعب وجهد على قواعد واهنة، قد لا ينتبه إليها قليل البضاعة في العلم والأدب، لكن المعلمي تصدى لكل سهم بروية وإمعان، وفكك صرحا يظنه الرائي من بعيد قويا متينا، فإذا هو من خيال. لكن أين من يملك الصبر ليحتمي بدرع العلم، فلم يؤت الناس إلا من قبل الشبهات، ولم تتزعزع مكانة الدين إلا من قبل قلة صبر المتعلم وقصر نفسه في طريق التعلم الطويل.
رحم الله الفراهي (المجتهد)، والمعلمي (المعقب) ورضي عنهما وعن كل عالم استفرغ وسعه في سبيل تفسير كلام ربه، وتيسير فهمه للناس.
ما يحتاج مراجعة العنوان واضح، مولانا الفراهي خرج بتفسير مغاير للسائد في تفسيره لسورة الفيل (أنه أهل مكة حاربوا جيش أبرهة وهم من رموا الجيش بالحجارة والله أيدهم بالرياح والأعاصير التي ألقمت الجيش الحجارة وكان دور الطير هو أكل جثث الهالكين في الحرب) واستخدم عدته الرهيبة من اطلاع ولغة وشعر وذكاء للاستدلال على ماذهب إليه .. ولأنه لايفل الحديد إلا الحديد جاء مولانا المعلمي معقبا على الفراهي ورد عليه قوله الذي يرى أنه قول محدث خالف فيه كل من سبقه وكعادة ردود المعلمي جاءت مليئة علما وأدبا