ما ذنب هذا الجيل كي يدفع فاتورة حياة لم يعشها؟ حين أفكّر في الأمر، أدرك الآن أنّ الخطأ القاتل للثّورة أنّها لم تنتبه إلى بيض الأفعى. خرجنا يومها نطاردها بالهراوات والمعاول والمجارف ودخان العجلات المحروقة، وأخذتنا الحميّة بهروبها وفرحنا بانتصار سهل ومريح، ثمّ عاد الجميع إلى بيوتهم ومشاغلهم وتفاصيلهم الصّغيرة، ولم ينتبه أحد إلى أنّ الأفعى قد تركت بيضها في الأحراش وفي الغابات وفي الجبال، وفي البيوت وفي أروقة الدّولة وفي محاضر البوليس وفي أوكار النّقابات وفي جيوب المرابين والمهرّبين وفي مراكز شرطة الحدود وفي أقلام الكتّاب والصّحفيّيين وفي ضمائر السّاسة المحبطين أو الحاقدين، وفي عدسات المصوّرين وفي جلابيب الشّيوخ الماكرين وفي دفاتر المؤرّخين، تركت أكداسا من البيض في آلاف الحفر والجحور، ولم نتفطّن إليها إلاّ بعد أن فقست في الظّلمة، وخرجت في غفلة منّا، فزحفت إلينا في جحافل سوداء تسدّ وجه الشّمس، وتسلّلت إلى بيوتنا وإلى هواتفنا وشاشاتنا وإلى محافظ أبنائنا، والتفّت حول أرجلنا وتسرّبت صاعدة تحت ملابسنا لتصل إلى صدورنا ورقابنا وأفواهنا.
عند انتهائي من الجزء الثاني من سيرة الثورة بعنوان "أسوار الجنّة"، كنت قد تنبّأت بأحداث الجزء الثّالث، وما خاب حدسي.. "بيض الأفعى" ، الأفعى التي اقتُلعت من منتصفها لا من جذورها، لتخلّف أفاع باقية وتمتدّ إلى يومنا هذا تبثّ سمومها بين أفراد شعب هزل و ضعف و يكاد أن يستسلم و يخنع.. الآن و بعد ثمان سنوات من انطلاق شعلة الرّبيع العربي ، مازال الواحد منّا ما ان يلمح شرطيّا ، ذاك الكائن الذي يقال عنه أنه في خدمة الشعب، حتّى تتغيّر ملامح وجهه و يغيّر طريقه و ربّما يلغي مشواره كلّيا ، تجنّبا للاحتكاك بهؤلاء الذين عادت ممارساتهم القديمة، عاداتهم القذرة المرعبة اللا إنسانيّة.. في هذا الجزء، سلّط الكاتب الضّوء على حياة ما بعد 14 جانفي 2011، بعينين مختلفتين : بعين عامر ، الشّاب الذي تتقاذفه الأيّام فيعي حقيقة الماجريات ، و عين فدوى ، امرأة النصف قرن التي مازالت لها تلك النظرة الحالمة الرّومانسية لمستقبل البلاد و العباد.. أن تكوني زوجة شهيد مات أكثر من مرّة بدم بارد لتُسجّل القضيّة ضدّ مجهول بآخر المطاف فليس ذلك بالأمر الهيّن.. أن تُيتّم و قدمك على أول الطريق فلا تجد السّند و المعين والمرشد و المربّي ، ثمّ تحاسَب على أخطاء لم تجد من ينبّهك عند ارتكابها، فذاك الظلم بعينه .. قلت بتعليقي السابق على الجزء الثاني من الثلاثية أن إيتوني بشاب واحد في مقتبل العمر لا يحلم بالخروج من هذا البلد البائس..هل تعلمون شعور أن يكون أكبر طموح لك في هذا الوطن ، مغادرته ؟ ..هل أنتم مدركون مدى قسوة أن تعيش داخل وطن جُرّد من كل معاني كلمة "وطن" ؟ .. أن تكون صاحب شهادة عليا ، بعد سنوات من الكدّ و التّعب و الجهاد في سبيل توفير مصاريف الدّراسة التي ادّعوا أنها مجانية ، ثمّ ماذا؟.. تلقي بنفسك بقارب صغير متهالك يموج أعماق البحار خلسة، تلقي بنفسك عن طواعية إلى الموت و تختاره بكامل إرادتك.. أحقيق بشباب الثورة أن يصل إلى هذا الحدّ من سواد الأفكار و ظلام الأحلام؟..ثم تعود من رحلة الموت تلك ، و تُكتب لك حياة خالية من الحياة..فتفقد جميع مقوّمات إنسانيّتك و أوّلها عقلك.. ليأتي بعد ذلك جنود الظلام و الخراب و يبدؤوا لعبتهم القذرة في احتلال رأسك الفارغ و فكرك المشوّش.. كم من عمليّة ارهابيّة و اغتيال حصل خلال هذه السّنوات؟ و جلّها سُجّلت ضدّ مجهول إذا كان المقتول شخصيّة مرموقة لها من الأدلّة ما يكفي لإدانة من يمسكون بزمام الأمور.. و الأخرى عمليّات منظّمة من جماعات لا نعرف لليوم كيف اجتازت حدود البلد و كيف تمكّنوا من ادخال الأسلحة و الدّمار.. و أن يصبح الخراب رمزا للدّين فتلك الطامة.. عملوا على تجريدنا من القيم والمبادئ و الدين ، حتى صار شبابنا فريسة سهلة الصيد تنخدع بالمظاهر و ليّ الألسن من كلّ من هبّ ودبّ.. طوال 23 سنة و النظام يعمل على صنع شباب فارغ فاشل غير قادر على المضيّ قدما لا يعرف جدوى حياته ولا يجد معنى لوجوده.. عاد بي الكاتب إلى ليالي الشهادات الموجعة مع هيأة الحقيقة و الكرامة.. أذكر أني لم أكن لأستطيع فعل أي شيء سوى ذرف دموع القهر و الغضب مما سمعت .. فلنتمعّن في حالنا اليوم..ولنلق نظرة تأمّل واقعيّة، هل حقّقنا أهدافنا في الحرية و الكرامة و التشغيل و العيش بسلام؟ أظنّكم تعرفون الإجابة .. فأولئك الذين مازالوا يقتاتون من الفضلات العامة في الشّوارع خير إجابة . شكرا من كل قلبي للكاتب عبد اللطيف علوي ، شكرا لأنّك أنعشت ذاكرتنا الخاملة.. شكرا لأنّنا بحاجة إلى صفعة جديدة علّنا نستفيق مجدّدا من سبات عميق لنكمل مسارا بدأناه ووقفنا عند أقلّ من منتصفه .. شكرا لأنّني على يقين أن جل كتب التاريخ سوف تدوّن البطولات الوهمية و الانجازات السفيهة كأصنام بورقيبة في كل مكان، لتبقى امثال هذه النصوص المرجع الحقيقي الصادق لأبنائنا و الجيل القادم و مازال دعائي لم يتغيّر.. وكذا سعيي.. بل ازددت عليه إصرارا.. اللهم هجرة لبلد أشعر فيه بالحياة حقا حقا.. بلد لا يتفضّل عليّ بالحرية و الاحترام.. بل يراها قيمة إنسانيّة بشريّة لازمة لكلّ فرد مهما كان عرقه وجنسه ودينه و انتماؤه.. ليس هروبا.. بل يأسا من هذا البلد و يأسا من ثورة لم تكتمل و لست ألمح بوادر استكمالها .. وكفى .
حين يصبح الأدب وسيلة التّعبير الأبلغ، تُرْصَفُ الكلمات إلى جانب بعضها كاللآلئ لتكوّن عقدًا ثمينًا لا ينفرطُ.. في ثلاثة أجزاءٍ تُؤَرِّخُ الثّورة، معرِّجًا على ما سبقها، نقل الكاتب سيرة "خالد الشّرفي" ذي المرتبة العليّةِ.. بين هضاب "عين البيّة" وسواقيها، وأقبية السّجون وحيطان المراكز، وأزقّة حيّ التّضامن، وحيّ الانطلاقة،أمضى الرّاوي حياته.. ليختمها في شارع الحرّيّة..
●لعلَّ الرّسالة الأبرز التي أراد أن يبلّغها الكاتب، هي تصحيح بعض المفاهيم المترسّبة منذ العهدِ البائد، ووليدة الانفلات الأمنيّ الذي شهدته البلاد إبّان الثّورة.. فلا "الخوانجيّة" مجرمون كما صوّرهم لنا أذناب النّظام، ولا "الدّولة الإسلاميّة" يرادُ بها دولة إسلاميّة كما صوّرها أصحاب الخناجر واللّحيّ والعمائم، ولا السّجن يهذّب سلوك كلِّ من يدخله، ولا حتّى الدّولة تحمي أبناءها ولو أذنبُوا! ذنبنا أنّنا ولدنا في وطن تُزَيَّفُ فيه الحقائقُ، ويسعى مالكوه إلى التّفريق بين أبنائه بأيّة وسيلة، ليضمنوا بقاءهُمْ في ظلِّ شتاتِ الشّعبِ، واستقرار عرشِ ملِكِهم صاحب الفضل على بعض من وُلِدوا وبأيديهم ملاعق من ذهب فقط.. ومُحطِّمِ أقدامِ من حاد عن السّبيلِ عوض تقويم خطاهُ! بل أنّ الدّولة ممثّلةً في شخص "بن علي" وبوليسهِ السّياسيِّ الموازي، قبل ديسمبر 2010، كانت تسجن السّويّ وتدع مُعْوجَّ الخطى يصول ويجول في القرى التي لا حول لأهلها ولا قوّة، ناقلًا أخبار من صلّى صلاة الفجر في الجامع، ومن ارتدى قميصا يوم العيد، ومن أطلق لحيته لتطول قليلا أو تصدّق ببعض المالِ على مسكينٍ.. حتّى أنّ المواطنين أنفسهم أصبحوا يرتابون من بعضهم.. ويخشون حتّى كون الأخ "صبَّابًا" يعمل لصالح النّظام.. لا نُقِرُّ باختفاءِ هذه التّصرّفات تمامًا اليوم.. لكنَّها تلفظ أنفاسها شيئا فشيئًا! حتَّى سلك "البوليس" نفسه تمَّ اختراقه أخيرًا من قبل بعض السَّوِيِّينَ الذين يقيمون خَمْسَهُمْ جماعةً، وأصبحنا في بعض الأحيانِ نرى منهم من يذود عن الوطن، لا عن سيِّدِهِ.. وهو ما يبعث على الطُّمأنينة، ويبشِّرُ ببوادر الانفراجِ، ووصول النّظام إلى مرحلة ما يسمّى ب "رقصة الدِّيكِ المذبوح"، بعدما شبّهه الكاتب بأفعى قُطِعَ رأسُها يوم 14 جانفي:"... تَرَكَتْ بَيْضَهَا فِي آلافِ الحُفَرِ والجُحُورِ وَلَمْ نَتَفَطَّنْ إليْهَا إلَّا بَعْدَ أنْ فَقَسَتْ فِي الظُّلْمَةِ وَخَرَجَتْ في غَفْلَةٍ مِنَّا..." داعيًا برسالاتٍ، راوَحَ بينَ التَّصريحِ بهَا تارَةً وإخفائها بين السّطور تارة أخرى، إلى مواصلة الحرب على الأفاعي الصّغيرة التي ظلَّتْ تنهش الوطن متمعِّشَةً من غفلتنا عنها..
●كلّ ما شغل المواطن إبّان الثّورة تناولته الرّواية، لعمري كأنّ الكاتب نطق باسم كلّ التّونسيّين، فكان لكلٍّ من الظّلم وإرهاب ما قبل الثّورة وما بعدها والهجرة السّرّيّة وغيرها نصيب في ما كتب.. حتّى الحبُّ، لم يُقْصَ، وكان له نصيب الأسد.. انطلاقًا من حُبِّ "دادهْ" التي تؤثّرُ في من يقرأُ عنها حدَّ تمنِّيهِ لامتلاكِ "داده" مثلها!.. مرورًا بحبِّ الأمِّ الرَّؤوم وصولا إلى الحُبِّ "الممنوع" زمن الجمرِ.. أمَّا الحبُّ الآخر فلم يدمْ طويلًا! احتكره خالد الشرفي، وزوجته فدوى، فقط.. أحبَّا وطنًا لم ينَلْهُما منه سوى الجفاء، وليس الوطن المذنب، إنَّما من ملكوهُ هم أصحاب الوزرِ.
●من يرى ثلاثيَّةً رِوَائيَّة تؤرِّخُ الثورة يستغرب ولسان حاله يقول "أهذا كلّه تأريخ للثورة، ولم تمض عنها حتّى عشر سنوات!".. الواقع أنّ الرّواية لم تكن تأريخا للثّورة بقدر ما كانت سبر أغوارٍ لنفس التّونسيِّ.. هي مليئة بالحكايا، بعديد الحكايا الطُّفوليَّةِ البريئة، خالية من الزّيفِ والأقنعة المثاليّةِ، تنقل بساطة الحياة بين أحضان الرّيف، ورتابتها في أزقّة المدينة، وبؤسها في دهاليز السجن الرّطبة.. وتصف بالتّدقيق التّغيّرات المترتّبة عن الانتقال من حجر "داده" وحضن "يمَّه" إلى أحضان الجلَّادِينَ، فأحضان المراكزِ وسجن النِّساءِ ثمَّ إلى حبٍّ بُثَّتْ فيهِ الحياةُ بعد أن كاد يلفظ أنفاسه، إلى أن تستقرَّ داخلَ الرَّاوِي... (أوبس! كدت أقضي على التّشويق! 🤭🤫). المميّز كذلكَ، أنَّ أحداث الرّواية رغم أنَّها مأخوذة من اليوميِّ المُعَاشِ بشكل يسمح للقارئ بالتّنبُّئِ بقادمِ الأحداثِ كُلَّمَا قفز من بحيرة إلى أخرى من عذب الأدبِ، إلَّا أنّ التّشويق لا يغيب عنها للحظة، فينهب القارئ الصّفحات نهبًا راجيًا أن تطول الرّواية كما هو الحال مع النّصوص القصيرة التي ينشرها الكاتب في العالم الأزرق، وذلك لما له من فصاحة في التّعبير ودقّة في التّوصيف، وبراعة في التّشويق.
●في تونس، إنْ وُجِدَ كُتَّابٌ يعتنقون العربيّة مذهبا لهم في الكتابة، فهم على الأغلب مقبورون، ولا يظهر على السّاحة الأدبيّة منهم سوى عدد لا يعسر إحصاؤهُ لقلّته.. وبالنّظر إلى كمِّ الرّداءة ��الرّوايات التّجاريَّةِ التي اكتسحت المعارض في السّنة الماضية (على المستوى الوطنيّ والعربيّ)، وحتّى هذه السّنة.. أعتبر هذه الثّلاثيّة اكتشافا عظيمًا.. خصوصًا وأنّني غالبًا لا أثق بالكتَّابِ حين يقولون بتبجُّحٍ "ستعجبك الرّواية حتمًا"، فهذه الجملة عادة لا تتعدّى كونها وسيلةً لانجاح التّجارة ولبيع أكبر عدد ممكن من النّسخ والتّغطية على ركاكة الأسلوب.. كما أستحضر هذه الجملة لكاتبٍ (لا علينا بذكره). هذه المرَّة صدق صاحب الرواية حين قال "أضمن لك المتعة".. فعلًا!
شكرًا على الهديّةِ، ودام إبداعُكَ، بانتظارِ عمل جديد، آملة ألَّا تشغلك السّياسة عن الأدب فنُحْرَمَ كلماتك.
This entire review has been hidden because of spoilers.