#مراجعة
في هذا الكتاب، لا نجد مجرد سرد تاريخي أو أنثروبولوجي جافٍّ عن الصحراء، بل نغوص في فضاء وجودي حيث تتحول الرمال إلى صفحة مفتوحة تكتب عليها أسئلة الوجود بأحرف من نور وظلام. إن المؤلف لا يكتفي بتوثيق الماضي، بل يستدعي الروح الخفية للصحراء، تلك التي تتنفس تحت الرماد الثقافي للوقائع، وتنبض في العتمة التي تختبئ خلف الأساطير والأحجار المسكونة.
هنا، يصبح التاريخ ضرباً من التصوف المادي؛ فكل حجر هو أرشيفٌ للزمن، وكل تعويذة شهادة على حوارٍ متواصل بين الإنسان واللامرئي. الصحراء ليست مكاناً جغرافياً فحسب، بل هي فضاءٌ استعاري للقلق الإنساني الباحث عن المعنى. إن سكانها، أولئك "التائقون إلى الحرية"، لا يهربون من الواقع بقدر ما يلاحقون أفقاً يتلاشى كلما اقتربوا منه، كسرابٍ وجودي. هم يعيشون التناقض التراجيدي بين اللاّممكن والمأمول، بين الأرض والسماء، بين الجسد والروح.
الكتاب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل البحث عن الحقيقة والسكينة محاولة للفكاك من ثقل الوجود، أم هو شكلٌ أعمق من أشكال الانغماس فيه؟ الصحراء هنا تتحول إلى مرآة تعكس الاغتراب الإنساني؛ ففي فراغها الشاسع، يجد الإنسان نفسه أمام ذاته، عارياً من كل الأقنعة، مواجهاً العدم واللانهائي في آن. الحرية التي يبحث عنها أهل الصحراء ليست تحرراً من القيود فحسب، بل هي أيضاً عبءٌ ميتافيزيقي، إذ معها يأتي وعيٌ مرهق باللامحدود واللاتحقُّق.
ثمّةَ لمسةٌ من العبثية في هذه الرحلة الروحية، لكنها عبثيةٌ مضيئة، كتلك التي تحدث عنها كامو في "أسطورة سيزيف". فالسعي نحو المطلق، رغم استحالته، هو ما يمنح الحياة كثافتها وجمالها المأساوي. الصحراء تُذكّرنا بأن الإنسان كائنٌ "مُدانٌ بالمعنى"، كما يقول سارتر، حتى عندما يكون هذا المعنى بعيداً كوهم السراب.
في النهاية، هذا الكتاب ليس تأريخاً للصحراء، بل هو تأملٌ في شرط الإنسان الذي يحمل صحراءه داخله. إنه يرسم خريطةً لروحٍ تائهة بين الواقع والمثال، بين التراب والنجوم، وتظلّ تعيش، رغم كل شيء، كشعلةٍ متقدة في رياح الوجود العاتية.
#محمد_الجكاني✍🏼