يشير مصطلح التاريخ بحسب هذا الكتاب إلى دلالتين: الأولى نابعة من الاعتقاد بأن التاريخ هو الماضي كله، وانه يتضمن جميع الحوادث المعروفة وغير المعروفة؛ والثانية تقصر معنى التاريخ على عملية تدوين وقائع الماضي من خلال البحث عنها واستقصاء تفصيلاتها وتعليل مجرياتها واكتشاف اسبابها وسير اغوارها. وتدور فصول هذا الكتاب على موضوع "المعرفة التاريخية" فيعرض أسئلة حيوية وراهنة مثل: هل توجد حقائق تاريخية؟ ما الشروط التي تجعلنا نعتقد ان ما نعرفه عن الماضي صحيح؟ كيف يمكن ان نؤمن بأن حجة تاريخية معينة هي حجة صحيحة؟ هل المعرفة التاريخية موضوعية؟ والكتاب، في خلاصته الأخيرة محاولة للإجابة عن هذه الاسئلة وعن غيرها ايضًا، خصوصًا تلك التي تتصدى لمعرفة قوانين التاريخ التي تتحكم بمسارا
البروفسور قيس ماضي فرو من مواليد عسفيا بالعام 1944.
أنهى البروفسور فرو دراسة الدكتوراه في فرنسا عام 1980، في موضوع: العلاقات الاقتصادية بين مدينة مرسيليا والشرق الأوسط من سنة 1861 حتى 1914.
ومن ثم عمل محاضرا وباحثا جامعيا في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا، حيث شغل رئيسا له لمدة ثلاث سنوات وترقى من درجة علمية إلى أخرى حتى حصوله على درجة أستاذ كرسي.
وشغل بروفسور فرو وظائف أكاديمية عديدة في الجامعة وخارجها واشترك في أكثر من ستين مؤتمر علمي داخل وخارج البلاد.
حصل على جوائز علمية عديدة، أهمها المنحة العلمية من جامعة أكسفورد لسنة 1995/1996. تركزت أبحاثه التاريخية حتى سنة 1992 في التاريخ الاقتصادي، لينتقل الى الدراسات الثقافية، الجماعات الأثنية ودراسة فلسفة التاريخ.
ونشر بروفسور فرو ستة كتب وعشرات المقالات الأكاديمية في اللغات الأجنبية، تناولت المجالات التالية: التاريخ الاقتصادي وظهور الفكر القومي وخطاباته وأثر ذلك على المشكلة الطائفية في لبنان وسورية.
كما أشرف على إدارة شعبة التاريخ الفلسطيني في مركز مدى الكرمل للدراسات التطبيقية.
نال كتابه المنشور سنة 1992 على جائزة "لاندو"، كأفضل كتاب نشر في تلك السنة. وفي سنة 2003، رشحت المجلة العلمية BJMES كتابه: "خلق لبنان" المنشور سنة 2003 لجائزة أفضل كتاب نشر في إنكلترا في مجال دراسة لشرق الأوسط، ليصل إلى القائمة النهائية لأفضل خمس كتب في هذا المجال.
وكتب بروفسور فرو أول كتبه له في اللغة العربية حول المعرفة التاريخية: مقاربات فلسفية، علمية وأدبية، تناول تطور معرفية ومنهجية الكتابة التاريخية المعاصرة.
وفي سنة ،2010 أدرج أسمه في كتاب، نشر في كمبردج، يعرض السير الذاتية المختصرة لألفين من أبرز مثقفي القرن الواحد والعشرين.
انشغل الباحث الفلسطيني د. قيس ماضي فرو بدراسة ومتابعة النشاط الفكري والإنتاج الثقافي الغربي في مجالات الفلسفة والإنسانيات وتأثيرها على الكتابة التاريخية، وذلك منذ أواخر السبعينات الميلادية، حيث كان يواصل دراسة الدكتوراه بفرنسا في حقل التاريخ. تتركز اهتمامات هذه الكتاب حول القضايا المنهجية والمعرفية في الكتابة التاريخية. يقع الكتاب في أربعة فصول. يناقش الفصل الأول حدود المعرفة التاريخية، ويعرض لنظريتين أساسيتين في فهم طبيعة الكتابة والمعرفة التاريخية: الأولى ترى أن وظيفة البحث التاريخي كشف أحداث الماضي. والثانية ترى أنه لا يمكن للمؤرخ كشف الماضي، وإنما يقتصر دوره على بناء الماضي بواسطة المصادر المتوافرة. ويتناول الفصل أيضًا، الذاكرة ودورها في الكتابة التاريخية، ويستعرض أفكار ك.همبل (ت1997م) وفيكو (ت1744م) وكولنغوود (ت1943م)، ليرصد نماذج متعددة من الجدليات –والتي تتكرر بأشكال وسياقات متنوعة طوال فصول الكتاب- حيال علمية الكتابة التاريخية ودعوى موضوعيتها. ثم ينتقل للحديث عن النقاشات الهرمنوطيقية (التأويلية) للبحث التاريخي، فيشير لأطروحات شلايرماخر (ت1834م) وف.دلثاي (ت1911م)، وهايدغر (ت1976م) وغادامير (ت2002م)، ثم بول ريكور (ت2005م). وينتقل لعرض أطروحة ج.دريدا (ت2004م) التفكيكية الذي يرى أنه (لا شيء خارج النص) فـ"الشكل الكتابي للغة مصادر المؤرخين ونصوصهم المنتجة من هذه المصادر لا يمكن أن ننسبها إلى واقع تاريخي كان فعلًا، بل يجب تفكيكها مع الأخذ بالاعتبار العوامل الخارجية التي أنتجتها"، واجه دريدا الاتهام بالتطرف والمبالغة والعدمية. ثم يكرس المؤلف الفصل الثاني لعرض الأطروحات النقدية للرد على أطروحات ما بعد الحداثة وإعادة الثقة بالتاريخ كحقل ومعرفة علمية مستقلة. فيعرض لأفكار ج.إلتون (ت1994م) في كتابيه "ممارسة التاريخ" و"العودة إلى الجوهر". وأطروحة كريستوفر بهان ماكولا الذي ألف عدة كتب للدفاع عن مصداقية المعرفة التاريخية. وأفكار المؤرخات الأمريكيات ج.أبليبي ول.هنت وم.جاكوب في كتابهن "قول الحقيقية عن التاريخ"، والذي تضمن ما أطلقن عليه "الواقعية العملية" لحقيقة الواقع التاريخي. كما يعرض الفصل لأطروحة كيث ويندشتل في كتابه الصادر عام 1997م والذي يحمل عنوانًا دالًا "قتل التاريخ: كيف اغتال النقد الأدبي والمنظرون الاجتماعيون ماضينا؟". ثم يشير المؤلف لتوماس كون في كتابه الشهير عن الثورات العلمية، وتأقلم الإنسانيات وحقل التاريخ مع المفهوم الجديد عن العلم. ويعرض المؤلف بعد ذلك لمحاولة مدرسة "الكليومترية" التي اعتمدت على القياسات الكمية في عرض أحداث ومسارات ذات صلة بالتاريخ الاقتصادي-الاجتماعي وشرحها. أما الفصل الثالث فيعرض لتعامل المؤرخين وفلاسفة التاريخ مع الأحداث والمسارات التاريخية وتحليلها. يبدأ بتلخيص أفكار وليم ولش (ت1986م) في كتابه "مقدمة إلى فلسفة التاريخ" عن "التاريخ الضمي". بعد ذلك يعرض لتطور مدرستين تاريخيتين تنتمي إلى التاريخ الاجتماعي، الأولى المدرسة الماركسية المعتمدة على المادية التاريخية. عند ماركس وج. لوكاش (ت1971م) وألتوسير (ت1990م) وغرامشي. والثانية مدرسة أنال الفرنسية (الحوليات). واستطرادًا أشير لتعريف مقتضب عن هذه المدرسة. نشأت أفكار "الحوليات" في أوائل الثلاثينيات من القرن الميلادي المنصرم. ورموزها ل.فاڤر وفرناند بروديل، ومارك بلوخ. ترتكز أطروحة المدرسة على رد الاعتبار للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، والتنديد بالإفراط التاريخي في تدوين التواريخ السياسية للأحداث، ولحركة التاريخ. كما انتقدت فكرة الحدث التاريخي، التبسيطية، ودعت لفكرة التاريخ الكلي، والأمد الطويل، فالأنظمة الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن اكتشافها وتتبع تأثيرها إلا عبر سبرها في أبعاد زمنية طويلة. "التاريخ الجديد" يعمل وسط دوائر العلوم الاجتماعية المتقاربة، اللغة والأنثروبولوجيا، والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع، وغيرها. أبرز انجازات هذه المدرسة هو تأسيس مسارات بحثية تاريخية فريدة، مثل مسار (تاريخ الذهنيات)، فكتب ضمن تقاليد هذا المسار الإيطالي تنينتي بحثاً بعنوان"الحياة والموت من خلال الفن في ق15"، وكتب ف.ارياس عن "تغير السلوك أمام الموت". ومن البحوث التي كتبت بتأثير هذه المدرسة تواريخ الموت، الموقف من الموت في القرون الوسطى، كما بحثه م.فوفيل ودرس لأجله 20 ألف وصية في منطقة فرنسية في القرن الثامن عشر. كما بحث ج. لوفيفر في تاريخ الخوف، عبر دراسة للخوف إبان الثورة الفرنسية، وصدرت دراسته بعنوان(الخوف الكبير عام 1789)، وتساءل فيها عن مدى أهمية "إعادة قراءة التاريخ انطلاقاً من الحاجة إلى الأمان"؟. وكتب باحثون في تاريخ التغذية، وتاريخ الجسد (سوتير كتب بحثاً عن ذلك انطلاقا من ملفات المجندين التي تحوي مقاييس للبنية الجسمانية، ودرس علاقة التغيرات العضوية للسكان بالنظام الغذائي وأنظمة العيش وانعكاسات ذلك اجتماعيا…الخ)، وتاريخ الأمراض والمجاعات، وتاريخ الحركة العضوية واجتماعية الجسد(درس ج.لوغوف مثلاً آليات الانحناء والسلوكات الجسدية وتقنياتها وعلاقتها بالسياق الاجتماعي وغيره)، وتاريخ السلوك الجنسي من خلال وثائق الإجهاض، وتسجيل الولادات غير الشرعية، وفتاوى الكنيسة عن تحريم منع الحمل، وتاريخ الألبسة، وتاريخ الأحلام (كتب دودس عن العناصر الثقافية للحلم في العصور القديمة)…الخ. ثم ينتقل المؤلف لاستعراض أطروحة ب.وينتش (ت1997م) حول إشكاليات دراسة المجتمعات البدائية، ومعضلة "ترجمة" المفاهيم من ثقافة لأخرى في الكتابة التاريخية والأنثربولوجية عند أ. غلنر (ت1995م). ويشير في آخر الفصل إلى التاريخ الثقافي والأنثربولوجي، لا سيما في أفكار بيتر بورك. ثم يخصص المؤلف الفصل الرابع والأخير للسردية التاريخية، أو التاريخ باعتباره نصًا، أو سردًا قصصيًا. ويعرض لأطروحة هايدن وايت الشهيرة، الذي يرى أن "تحليل لغة السردية كفيل بفهم القضايا المعرفية والمنهجية للكتابة التاريخية، أي إن اللغة هي المفتاح المعرفي والمنهجي لهذه الكتابة"، ويؤكد تغلغل الخيال الأدبي في إنتاج العمل التاريخي. كان لنظرية وايت تأثير واسع في تعزيز دور السردية في الكتابة التاريخية، في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحالي. ثم يختم المؤلف الفصل الأخير بالإشارة لما يسمى بالتاريخ الشفوي باعتباره فرعًا من فروع المعرفة التاريخية. يعتمد الكتاب على عرض الأفكار وتلخيص الأطروحات الأساسية للمنظرين والمؤرخين بحسب اطلاع المؤلف في الموضوع، وغالبًا ما يعود للمصادر الأساسية ما عدا بعض المواضع التي اعتمد فيها على بعض الموسوعات. لم يقدم الكتاب مخطط عام لموضوعه، ولا يهتم كثيرًا بالسياق التاريخي والتسلسل الزماني ولا المكاني في تشكل وتفاعل الأفكار في موضوعه، وقد يعود السبب جزئيًا لضخامة الحراك الثقافي في الحقل التاريخي وتداخله مع الكثير من التخصصات الأخرى والتفرعات البينية المتوالدة، إلا أن غياب الإطار أو السياق أو المسار العام الناظم لموضوعات الكتاب يضعف من رصانته ويقلل من فرص الاستفادة الأكبر بالنسبة للقارئ. يقع الكتاب في أقل من 300 صفحة، وصدر عن المركز العربي عام 2013م.
- من أفضل الكتب العربية التي سردت التطورات و الاشكاليات المعاصرة في حقل التاريخ عند الغرب - أفضل كتاب عربي أسهب في شرح نظرية و فكر المؤرخ الأمريكي هايدن وايت - رغم ذلك، فإنه أغفل بعض التيارات و الشخصيات المهمة. مثل: ميشيل دي سارتو من فرنسا، التاريخية الجديدة في أمريكا، مدرسة كامبردج (و خصوصا كوينتن سكينر) في بريطانيا - يصلح كمدخل لفهم الكتابات الغربية المعاصرة في التاريخ، لكن ليس كمرجع بحثي و أعتقد أنها هذا هو هدف الكاتب