انتهيت للتّو من قراءة رواية أسوار الجنّة ، الجزء الثاني من ثلاثيّة سيرة الثورة لعبد اللطيف علوي ، كنت قد كتبت سابقا أنّني لن أكتب قراءتي للثقب الأسود و أظنّني أحسنت صنعا، فأنا عند قراءتي للجزء الثاني أعتبر الكتاب المذكور بمثابة المقدّمة لقطعة الوجع هذه..و كما عوّدتكم ، لا تنتظروا مني حديثا عن تفاصيل القصّة و أحداثها.. لكم منّي انطباعي و عليكم القراءة بأنفسكم لاكتشافها.. بداية ، يغلب على ظنّي أنّ الجيل الذي أتى في الألفينات لن يشعر بما هو كائن بين دفّتي هذا الكتاب كجيل الثمانينات و أوائل التّسعينات ربّما..الجيل المحظوظ كما وصفه الكاتب..على الرغم من بساطة الأسلوب إلا أنني راقتني جدّا براعة الكاتب في التّنقّل بين الماضي و الحاضر، ضحكت و بكيت وتحسّرت وسخرت في مختلف المواقف .. عشت ذاك الزّمن الصّعب بتفاصيله الصغيرة.. أن يكون لك أقارب و أصدقاء ينتمون لتلك الشّريحة المطاردة يجعلك تتفاعل مع حروف الرّواية بكلّ كيانك.. ولكن في ذات الوقت يستيقظ الغضب الكامن بداخلك أكثر لتعود لتساؤلاتك.. أبعد هذه العذابات ينسون و يضعون اليد بيد الجلاّد؟ أبعد حمّامات الدّماء تلك و التقتيل يضحكون بوجه العدوّ كأن شيئا لم يكن؟ أبعد السّجن و الظلم الإضافيّ بعد الفترة الرئيسية تنسون! أنا فعلا أشعر بالغضب..أشعر بالغضب لأنهم لم يخذلوا أنفسهم فحسب ، بل خذلوا كلّ من توسّم فيهم خيرا واصلاحا.. خذلوا شعبا ظنّ للحظة أنه أصبح حرّا.. و ليست الحرّية إلا حلما أسطوريّا لم تعرفه تونس رغم ثورتها..فرح البطل لانتعاش ذاكرة الشعب التونسي فجأة و استكمال ثورة لأول مرّة في تاريخه.. و لكن هل هذه حقيقة أم كانت مجرّد لحظات فنتازيا صفّقنا لها و فرحنا بها مؤقتا جميعنا؟ هل فعلا تحقّقت أهداف الثّورة المزعومة؟ هل لمحنا طيف العدل يوما؟ إيتوني بشاب في مقتبل العمر لا يتمنّى الهجرة من هذا البلد البائس اليوم؟ إيتوني بشخص واحد فقط راض بوضع البلد الحالي؟ .. كنت متحمّسة جدّا و أنا أقرأ آخر عشرين صفحة من الرّواية لأنني عشت ذات الأحداث مجدّدا بنفس الحماس و التّوجّس و لوعة الإنتظار.. و ما إن انتهيت من آخر صفحة ، حتّى تذكّرت أن الجزء الثالث منها هو ما نعيشه اليوم من تأخّر و ظلم متجدّد و أمان غائب .. اللهم صلاحا لهذا البلد.. تعبنا.. تعبنا من فرط الهوان و فقدان الأمل ..
أوّل مرّة أقرأ للكاتب عبد اللطيف علوي.. شكرا لأنّك لم تخيّب ظنّي، لم أفقد شغفي بالكتاب لآخر سطر.