إن للأئمة من الصفات البشرية العظيمة الفائقة ما يكفي لأن يفسر موضوعياً إنجازاتهم الخلاقة الباقية على غير صعيد، فيما تكمن عناصر سيرتهم الحقيقية الأصلية. وهي الأولى من الباحث بالعناية والكشف والذكر والتنويه. والاعتبار الأكثر أهمية أن التفسير الموضوعي هو وحده، بمساعدة المنهج التركيبي لمضمون الروايات بعد نقدها، القادر على معالجة الإشكاليات الجمة التي تحفل بها سير الإمام، وسيرى القارئ أننا قد عالجناها بالفعل في متن الكتاب، ووصلنا إلى نتائج غير مسبوقة. أما الأعمال الخارقة، فإنها تحدث وتنتهي في عالمها الغامض الخاص، المعزول عن القوانين والأعراف التي تحكم البشر والبشري.
الشيخ محمد جعفر المهاجر العاملي ( 1941- )، عالم دين شيعي ومحقّق وأكاديمي له مؤلفات كثيرة امتازت بكشف النقاب عن الحقبات المغيّبة من تاريخ لبنان وجبل عامل. ولد في بعلبك في العام 1941 من عائلة ذات أصول عاملية.
الكتاب: الإمام الهمام علي الهادي(عليه السلام): سيرة غير مسبوقة الكاتب: الشيخ الدكتور جعفر المهاجر
قبل أن أقرأ هذا الكتاب كانت معرفتي حول الإمام الهادي عليه السلام تتلخص في عدة قصص ويمكن اختصارها في انه لما توفي والده الإمام الجواد ارسل له أحد علماء المذهب الآخر ليجعله على غير مذهب أبيه وفشل وكان يعيش في مدينة جده حتى استدعاه المتوكل لسامراء بسبب تحريض الوالي وفي سامراء استدعاه المتوكل وطلب منه شعراً فانشد ابياته المعروفة اراد المتوكل قتله فمات قبل ذلك رمي في بركة السباع كان الشيعة يلتقون به خفية.
إلا أن هذه الأمور والتي دأب الخطباء على تكرارها سنوياً عن إمامنا الهادي لا تشكل حتى واحد على مئة من الصورة الحقيقية، فلو جئت بأي شخص وسألته بعد معرفة هذه الاحداث في كم سنة كانت هذه الأحداث سيظنها أنها حدثت في ستة أو سبعة أعوام وقد يظن آخر إنها في عشر سنين، في حين امتدت إمامة الإمام الهادي خمسةً وثلاثية سنة قضى ثلاثةً وعشرين سنة منها في سامراء.
أغلب سيرة الأئمة من بعد الإمام الحسين ع لم تصلنا بشكل صحيح بل هي تصلنا على طريقة المناقب والمظالم وغالباً تكون صور مفككة من هنا وهناك قد يكون بينها عدد من السنين دون الربط بواقعها وحالها لمعرفة حياة وسيرة هذه القامات الشامخة فلا نعرف من أحوالهم شيء، فنحن نعرف أن الإمام الباقر ع بقر العلوم بقرا لكن لا نعرف كيف وما هي القرائن على ذلك بل توارثنا هذه العبارة من الأولين الذين كانوا يعرفون ذلك بعد بحث وتمحيص وربط الروايات ببعضها وتطبيقها على الواقع، هذا حالنا مع سيرة آل محمد.
والغريب أن رغم تزايد الرغبة لدى الشباب على معرفة سيرة أئمتهم وقادتهم لاتزال الكتب شحيحة والخطابات مكررة وحتى انني لم استطع ايجاد اي كتاب عن الامام الحسن العسكري يقوم بدراسة وتحليل سيرته وهذا الحال سيتكرر مع الامام الجواد والهادي عليهما السلام .
واثناء بحثي عن كتاب يخص الإمام العسكري عليه نصحني أحد باعة الكتب ممن أثق برأيهم بهذا الكتاب فهو قد يمهد الظروف لمعرفة الأوضاع في زمن الإمام العسكري ع .
هذا الكتاب للكاتب الدكتور جعفر المهاجر دراسة تحليلية في سيرة الإمام الهادي عليه السلام منذ توليه الإمامة حتى وفاته ستجد في هذذا الكتاب الذي يدرس ويحلل 35 سنة من عمر الامام عليه السلام ويوضح عناصر قوة الشيعة في ذلك الوقت الاقتصادية والسياسية الذي وصل بالحال إلى توازن في القوى في عهد المتوكل، وكيف أصبح التنظيم الشيعي قوة ضاربة لا يستهان بها حتى انه تغلغل لداخل قصر الخليفة في سامراء، وصولاً لآخر سنتين من عمر الإمام ع الذي احتجب فيهما بعد الانقلابات المتتالية في البيت العباسي التي اطاحت بالمتوكل والمنتصر والمستعين في خلال 5 سنوات .
استفاد الإمام الهمام علي الهادي من عدة عوامل في حراكه أولها القوة الاقتصادية التي كانت بسبب الأمر الذي أصدره الإمام الجواد ع وكان سبباً في اغتياله وهو الأمر بجباية الخمس. ثانيها توسع رقعة انتشار الشيعة وزيادة اعدادهم بالإضافة لوجود عدد كبير من فقهاء وعلماء الشيعة في مختلف انحاء العالم الإسلامي، ثالثها ارتباك دولة بني العباس بسبب قرارين أتخذهما الحكام السابقين أولها قرار هارون بجعل الاخلافة بين الاخوة الذي سبب في صراع بين المؤمون والأمين أدى لقتل الأمين والثاني هو تأسيس الجيش النظامي على يد المعتصم مما أدى لضعف قوة القبائل وتنامي قوات الأتراك الذين سيكونون سبب في اسقاط الدولة وقيام دويلات تركية تنتهي لدولة السلاجقة ثم العثمانيين.
في ظل تلك الظراف قامت حالة الاحتواء وتوازن الرعب بين الشيعة والسلطة، وبين امامنا الهادي والمتوكل الذي قضى نحبه بعد اعلان نيته قتل الإمام وهنا يرجح الكاتب كون الشيعة والاتراك والمنتصر قد اقاموا حلفاً ثلاثياً ودبروا لقتل المتوكل لأجل مصالح مشتركة وهو الأمر الذي سرعان ما اسقط المنتصر بسبب رفض العباسيين اشراك التنظيم الشيعي في مفاصل الدولة واستشارتهم في عديد من الأمور منها العزل والتعيين فقتل وجاء الذين من بعده . في الكتاب جوانب وظروف تفصيلية تغيب عن ذهن ومعرف الغير مطلع حتى يكاد لو يسمعها منفصلة دون قراءة الكتاب أي دون معرفة تفاصيلها، أن ينكرها ويصفها بالهراء وعدم الدراية ذلك أن قلة معرفتنا بسيرة الإمام ع والتركيز على سرد جزئيات بسيطة من حياة الإمام مختصر في عدد من المناقب والظلامات والكرامات تعطينا صورة مشوشة غير صحيحة للإمام وهذا لا يختص بالإمام الهمام علي الهادي فقط بل هو حال سرد سيرة عدد من الأئمة.
بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ صل على محمّد وآل محمّد ثاني كِتاب أقرأه عن الإمام الهادي عليه السلام والذي بطبيعة الحال أشعر بالتقصير تجاه هذا الإمام العظيم على الدوام. لم أكن أعرف الكثير عن الإمام الهادي، هي مواقف تُعاد كل سنة على المنبر من دون أي جديد يُضاف والإهمالُ في فهم سيرته واضح جدًا! قبل فترة من الزمن أصابني الغم ونوعًا من الخوف حين سرحت بأفكاري ماذا لو سألوني في قبري عن الإمام الهادي؟ منذُ تلك اللحظة قرّرت أن أقرأ عن الإمام ودوره في مسيرة الإمامة. كنت أعرف أنّه هو من علّمنا الزيارة الجامعة الكبيرة -وكثيرًا ماتُذكر هذه المعلومة في المجالس- ولكن ولا مرّة فهمت السبب وراء ذلك؟ لِمَ الإمام الهادي وليس الإمام السجاد مثلًا (المعروف بكثرة مناجاته وأدعيته) أو الإمام الصادق؟ حين تقرأ ما بين السطور في سيرة الإمام الهادي سيتضح لك السبب لذلك. ولعلّ الشيخ فوزي آل سيف في كتابه قام بتوضيح ذلك توضيحًا مفصلًا كافٍ. _ بدأت قراءة الكتاب في يوم مولد أمير المؤمنين ١٣ رجب ١٤٤٦ هـ أتذكر المقدّمة للكتاب أنّها جهزتني نفسيًا وأعطتني شعلة من الحماس والكثير من الفضول عن ماذا ينتظرني في الصفحات القادمة؟ لم يخُب ظنّي وكنت أقرأ الصفحة مرة ومرتين وثلاث لكي أفهم وأقوم بالربط بما لديّ من معلومات وبما قرأته سابقًا عن الإمام.
توجد بعض النقاط التي لا أتفق فيها مع الشيخ الجليل منها مثلًا: مشاعر الإمام حين خروجه من مدينة جده رسول الله ﷺ وأيضًا أنّ الإمام لم يمُت مسمومًا وبعض النقاط الأخرى التي لا تحضرني الآن (وقد فتح لي باب للقراءة أكثر عما أورده وماقاله علماؤنا في بعض النقاط والإشكالات)
ممّا أعجبني حقًا في الكتاب أنّه تحليلي وهذا الأمر قلّما وجدته في مؤلفات العلماء الآخرين، والتي تُظهر الجانب الإعجازي للأئمة أكثر. هذا الكِتاب قد أستخدمه مرجعًا لي حين أقرأ روايات نُقلت عن الإمام الهادي وأقوم بتحليلها لكي أفهم لِم قال الإمام ذلك وأين ومتى؟ هذه القراءة الأولى لي لمؤلفات الشيخ جعفر المهاجر وأعتقد أنّني سأقرأ كل مؤلفاته بسبب أسلوب الكاتب الذي يعتمد على السياق الطبيعي التاريخي والتحليلي ليبيّن عظمة الإمام. قد أرى عند غيره من المؤلفين ذكر نفس النقاط لكن حملها على أنها جانب إعجازي من الإمام (من دون تحليل وفهم دقيق للنص -مع الأسف-)
شقشقة: سبق وقد زرت الإمام الهادي ٣ مرّات وفي كل مرّة تزداد لوعتي على غربة الإمامين العسكريين وإهمال الشيعة لهما، قلّما تُذكر سيرتهما وإنجازاتهما. حتى زيارتهما تكون لمدة لا تزيد عن الساعة وما ذلك إلا بسبب جهل الناس بما فعل الأئمة وما تأثيرهما على بقاء هذا الدين ولذلك عزمت إن شاء الله أن لا أقرأ إلى شهر رجب من السنة القادمة إلا عن الإماميين العسكريين وتحديدًا الإمام الهادي.
انتهيت من قراءة الكتاب هذا اليوم ٢٤ رجب ١٤٤٦ هـ حتمًا سأعود لقراءته تكرارًا ومرارًا وحين أقرأ نصوص متعلقة بالإمام الهادي لكي أستطيع تحليلها بمساعدة ماكُتب في هذا الكتاب العظيم. أنصح أيضًا بقراءة كتاب الشيخ فوزي آل سيف بعنوان "النقي الناصح" وقد قام الشيخ فوزي بالرد على الإشكالات التي ذكرها الشيخ جعفر المهاجر فيرجو مراجعتها لأهميتها.
بحث تاريخي حول سيرة الإمام الهادي (ع) .. أراد من خلالها الكاتب ان يكشف بعض الخفايا التي كانت في سيرة هذا الإمام من خلال مقاربة النصوص المتواترة مع الأزمنة التي حدثت فيها ..