قصة خيالية تتخذ من أحداث واقعية ذريعة للغوص في جانب خفي من كوارث طبيعية و بشرية حدثت بالفعل في مدينة "آلجي" عند انعطافة القرن العشرين. قلة من الناس لاحظوا ذلك الفيروس يتفشى و يرحف شيئا فشيئا خلف الأحداث، لكن الجميع فضل الصمت و التغاضي، و بعد مرور عشر سنوات استسلم الراوي لضغط العودة المتكررة لتلك الأشباح فراح يسرد الأحداث كما رآها من موقعه، ربما كان ذلك صدفةن لم يستطع تفسيرها إلا بإعادة ترتيب الحكاية كلعبة صينية، و إلا كيف لاحقته رسومات صديقه حميد بعد ثماني سنوات إلى ورق يغطي طاولة في مقهى باريسي مهمل ؟ و صدفة انشطر زمن الحكي إلى زمنين، زمن باريس المتسارع و زمن آلجي البطيء، و راح الحواس يخيط قصاصات الذاكرة بمجموعة من الإيميلات يكتبها لصديق طاريء.
بداية،النص لا يرتقي في نظري لمسمى رواية وأحسن ما فيه هو الإهداء، و لعل كوّن هالوسين أول محاولة من نوعها للكاتب يشفع له بعض الشيء. ثانيا يبدو أن مهنانة يحاول تجريب الوصفة التي سبقه إليها كمال دَاوُدَ و بوعلام صنصال: القدح في الاسلام و تاريخه واعتبارهما مصادر مباشرة و عضوية للارهاب الاسلامي، الطعن في تاريخ الثورة التحريرية الجزائريّة، تبييض صورة اليهود، تمجيد قبائل الجزائر و تفضيلهم على الناطقين بالعربيةو حتي على باقي أمازيغ البلاد، اعتبار اللغة العربية ناقلا للتخلف و الارهاب، السخرية من معتقدات المسلمين، رفع اللوم عن الحركى. رغم هزال هالوسين كعمل أدبي إلا أ ترجمته للفرنسية قد تضمن له شيئا من البهرج الإعلامي
يخيل إليّ أن هالوسين محاولة بائسة للاستلهام من رواية العمى للعظيم ساراماغو مع تأثر واضح و انبطاحي بافكار و اُسلوب صنصال لا سيما رواية ٢٠٨٤. زاد مهنانة على ذلك شيئا من سيرته الذاتية كشاهد على العصر ثم أقحم أفكاره التي لا يفتأ يلوكها في كل كتاباته يجترها اجترارا. و حتى استعمل شيئا من تعبيراته فقد جاءت محاولة مهنانة الأدبية هذه كمنتوج متصنع، متكلف "واضح التسرع و الفوضى كعمل رديء تم في ظروف طارئة".
أسفله بعض الملاحظات التي دونتها سريعا عند قراءتي لهذا النص:
شاب النص أخطاء مطبعية وفيرة و لغوية كثيرة تفسد عليك القراءة، زادها سوء ترقيم أو تنقيط النص la ponctuation قبحا. على الناشر أن يوظف من يراجع له النصوص قبل طبعها وان يحسّن من نوعية ورق الطباعة.
كما أعاب النص بعض التعابير الركيكة المزعجة من قبيل: "حتى" أحس بأشعة الشمس تلسع رجليه "حتى" اضطر لنزع حذائه. ص ٧ احتكاكي بالعرب و بالعالم العربي عموما. كنت أعتقد أن مفردة عموما تدل على الانتقال من الجزء إلى الكل!! ص١٤ نقول كان الحواس الطفل ... و ليس كان الطفل الحواس. نقول لا يدخرون أية مناسبة و ليس لا يوفرون أية مناسبة. نقول و هو القرار الذي ترتب عنه و ليس سيترتب عنه، لأن النتيجة ذكرت مباشرة في الجمل التالية و لا داعي لاستعمال صيغة المستقبل بتاتا. لدى الوصول إلى آخر المحطات لا تتمنى شركة القطار للمسافرين رحلة ممتعة ص ٣٥ بل تتمنى أن تكون رحلتهم على متن خطوطها قد "كانت" ممتعة. لا نقول راح يشرح "عن" الفيروس. ص ٤٧ حسب سياق النص لعل الراوي يقصد نصف يقظ demi éveillé و ليس نصف مستيقظ demi réveillé. ص ٤٧ أكثر الأشخاص لو نزعتها عن مظاهرها ص ٤٨. على من يعود الضمير "ها"؟ الأصح هو "هم"! ثم إنك لا تنزع الأشخاص عن مظاهرهم بل تنزع عنهم مظاهرهم. نقول لا طاقة له بها و ليس لا طاقة له عليها ص ١١٠. فقرات و جمل كاملة ممحاة ص ١١٩، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٦. منعه و ليس منحه ص ١٢٥، البرك و ليس البرق ص ١٢٥. عشرات الامتار وليس الأمطار ص١٢٦.
و تخلل النص عبارات ركيكة عادة اضطرارية ص ٨ استعمال مفردة "التلصص" في ص ٩ خاطيء. فالتلصص يكون بالسمع لا بالنظر. لا أظن أن الحوّاس مهتم بهواية التلصص على السيقان العارية. نفس الاستعمال الخاطيء للمفردة في ص ٥٢. ما معنى "تفارغ" ص ١٠؟ هل الراوي ينحت في/من جسد اللغة كلمات جديدة؟. ترك رسالة مكتوبة اخذتها الشرطة كعنصر تحقيق؟! عنصر تحقيق؟؟؟ ص ٥٢. كان السؤال يدور بالخلد، يشغل البال، يعشش في الرأس، يملأ الذهن فأصبح يصول و يجول في الأعصاب !!! و صاحب هذا الإبداع طالب بيولوجيا!!! ص ٥٦ صافحته و هو مستلق دوما!! دوما او كعادته؟ ص٥٦ نقول "ما نستطيع ان نلج به الحانات" و ليس "ما نستطيع به أن نلج..." ص ٥٦ بالسور و الآيات ؟ ص ٥٩ بالقصائد و الأبيات، بالجمل و الكلمات، بالكلام و الأصوات. عندما تقرأ "ليس لأنه يفعل كذا و كذا..." فأنت بالضرورة تنتظر الاستدراك : "و لكن لأنه كذا و كذا.." فأين هو الاستدراك في ثاني فقرات الصفحة ٥٩؟. لا بد من الإختيار ما بين "بأرداف ممتلئة و صدر ناهد" و بين " بأردافها الممتلئة و صدرها الناهد" لا يمكن الخلط في الصيغ ص ٦٤. نقول يبدو غريبا بالفعل أو يبدو غريبا فعلا، لكن لا نقول يبدو فعلا غريبا و إلا فسد المعنى. ص ٦٤. استثقل جملة كان حيّا يهوديا في أكثره ص ٦٨افضل في غالبيته. إقحامي إياك أم إقحامي لك؟ ص ٧٩. ما توحي به إيماءات الوجه من إيماءات !!! ص٨٠.
الحوار بين الحواس و الصحفي في القطار إلى كوبنهاغن مغتصب، غير واقعي. كان الأحرى بالراوي أن يمهد لحديثهما الجاد عن العالم العربي و العالم الاسلامي و الشرق الأوسط و المستشرقين و تفاصيل حياة الحواس و هواجسه بدردشة بسيطة سلسة تتشعب فتصل بهما إلى هاته القضايا. لا أن يستيقظ أحدهم من غفوة فيجد نفسه يتفلسف حول العرب و التاريخ رفقة غريب لا يعرفه.
هل يميز السيد إيرفن بين حروب الخليج الثلاث المعاصرة؟ حرب الخليج الثالثة هي نفسها الغزو الأمريكي للعراق سنة ٢٠٠٣، أما حرب البوسنة (و الهرسك) فامتدت ما بين عامي ١٩٩٢ و ١٩٩٥. فالحربان غير متزامنتان. هل يعرف الحواس أن خريف عام ٢٠٠١ هو أول خريف في القرن و ليس ثانيه؟ ص١٠١.
ما هذا الانتقال المرتبك الذي يختم الفصل الرابع ص ٢١؟ من صلب الحوار بين الحواس و رفيق سفره إلى ساعة من النوم و حلم فيه صوت العرافة و هي "مقعية"؟
جاء الفصل الأول على لسان راوٍ، ثم جاء الثاني على لسان الحواس، أما الثالث و الرابع فكان حوارا بين الحواس و ايرفن. عاد الفصل الخامس على لسان راوٍ ثم في الفصل العاشر يختلط الحابل بالنابل فيبدأ الفصل على لسان راوٍ ثم، و بدون سابق إنذار يكلمنا الحواس في تداخل سمج يفقد النص انسيابيته و إيقاعه قبل ان يعود بِنَا الى الراوي بلا سلاسة و لا مقدمات ص ص ٥٢-٥٣. يعود التداخل في الصفحة ٧٥ فلا نكاد نفهم من يقول ماذا في لقاء الحواس بالدكتور غراهام.
ما معنى تلك الفقرات التي تبدو فلسفية، عميقة ( أو عقيمة)، و غامضة و التي لا أَجِد لها محلا من الاعراب لأنها تبدو محشورة بتكلف و تصنع في غير محل لها.ص ٢٢. ص ٦٦. ص ١٦٤.
تراوحت لغة الرواية بين الفصيح الموغل في الفصاحة حد التزمت "سنة من النوم" "البغلة الصهباء" " آل حساني" "طالبا غُفّلا" و بين اللغة الحديثة المتحررة من القيود البالية "آلجي" فجاء النص هجينا، متذبذبا و فاقدا للجمالية كما في جملة "أسير على هديها في آلجي" ص ٣٨.
الفصل ٢٥ يكشف هزال الرواية و ضعف خيال الكاتب و قلة تمرسه في الأدب حتى لا أقول غياب روح الأديب فيه. من دون سابق إنذار يجر الكاتب شخصية إيمي إلى الاسلام عنوة. لماذا أقدمت إيمي على ذلك ؟ للتقرب أكثر من زوجها يعلل الكاتب. كيف ليهودية مثقفة أن تعتنق الاسلام في فرنسا ما بعد سبتمبر ٢٠٠١ للتقرب من زوج لا ديني و لعله ملحد، ثم إه ليس زوجها أصلا!!! ثم، و بعد ست أشهر فقط تلم إيمي برأي محمد في العيلولة!!! و تطرح أسئلة لا تتبادر إلا لمن كان ضليعا في دراسة الاسلام!!!. إيمي يهودية و بالتالي فالوحي ظاهرة ليست بالغريبة عنها. كيف أوحي لمحمد؟ تتساءل إيمي؟ مثلما أوحي لانبيائك اليهود و ما أكثرهم. أرى أن الكاتب دفع إيمي الى الاسلام دفعا ليطرح على لسانها تلك الأسئلة التي لا أَجِد لها توصيفا (قد يسميها الاسلاميون بالشبهات) : ترتيب السور، كتابة الوحي، تدوين السيرة، و ماهية الوحي!!!! أعتقد أن من يطرح هذه الأسئلة يتأهب للتخلي عن الدين لا اعتناقه. الاستاذ لم يقدر على نزع مئزره فأخلط نص المحاضرة بنص الرواية. لا أقول أنه لا يليق تناول هكذا مواضيع و أسئلة في رواية، ما أراه هو أن أديبا كان سيتناولها بطريقة مغايرة بالتلميح و المواراة و سلاسة و ليس بهذه التساؤلات الأكاديمية المباشرة و هذه الطريقة الفضة. هل فكر الكاتب في جمالية النص ؟ و يبدو لي أيضا أن مهنانة لم يدر ما يفعل بايمي، بعد ان خوّف بها الغربيين من مجرد الاقتراب من الاسلام، فبعث بها إلى مدن العالم الاسلامي عارضة فرجها على كل من صادف طريقها في مشهد بهلواني سخيف.
هل يعرف الكاتب شخوص روايته؟ حميد الذي كان في الصفحة ٥٧ " ليس له علاقات بالنساء و لا بالرجال" أصبح في الصفحة ١٢٦ ذَا مغامرات كثيرة مع النساء؟ و إيمان المغربية استحالت بع سطرين إلى أمال ص٩٠. ثم عادة إيمان من جديد بعد صفحتين ص٩٢.
مكانة المرأة في النص مدعاة للاستغراب بل وحتى الاستهجان. فالمرأة في هالوسين إما جاهلة متخلفة كوالدة الحواس الذلول التي تؤمن بخرافات العرافات و تعيش طمعا في استرداد رجل هجرها، أو آداة للتفريخ و رعاية الأطفال كنساء الماكيزار و بناته، أو عاهرة ترمي بفلذة كبدها لتراقبه بعدها يكبر عن بعد كوالدة حميد، أو كفرج مستباح مقابل بيرة و بعض الأورو مثل إيمان المغربية أو كفرج متنقل مثل إيمي اليهودية/الارهابو-نيو-إسلامية، أو كعاهرة تنافق المجتمع كهاجر التي تؤثر، وقت آذان فجر يعقب زلزالا مدمرا، أن تجود بدبرها حفاظا على غشاء تدخره لعريس مغفل. أما أبطال الرواية فهم الذكور المعادين لمؤسسة الزواج.