اعتمدت الرواية السرد بما فيه من وصفٍ وحوارٍ وصراعٍ بين الشخصيات وما احتوى عليه ذلك من تأزم وجدل وتغذيةٍ للأحداث. وتشعبت الحبكة وغاصت في غموضٍ يتكشّف تباعاً عُقب قراءة الفصول، حيث تتطور الأحداث وتتبلور الأهداف فيدور القارئ في فلك الوبّاص ( الملك الصارم ) وفلك شيحان ( الفارس الحازم )؛ ويكون لكلٍّ من هذين البطلين موقف وقضية، ويحتدمُ الصراع بينهما على أسوار أكبر مدينةٍ وأكبر حصنٍ في منطقة ( رأس الخيل ) وهي منطقة غنيّة بالخيرات والثروات، توزّعت مدنها الكبيرة وقبائلها على شكل رأس خيل، فبدأت جنوباً بمدينةٍ كبيرة كفم الحصان، واستقرّ بعض المدن في الوسط كالعينين بينها مدينة تشكّلت كنجمةٍ بيضاء في جبهة حصانٍ أملح، وانتشرت باقي المدن والغابات الكثيفة فيها شمالًا كغُرة الفرس.
بُنيت الرواية على ثيمتي الحرب والحب بحبكةٍ متقنة وأُثريت بالرموز والحركات؛ كمثلِ ( شجرة النذيرة ) التي فقدت هيبتها وربيعها وتشبّثت بقايا جذورها الواهنة قمةَ جبلٍ أشم ، كانت تلك الشجرةُ الجرداء رمزاً وعنواناً للوحدة والوفاق، فحلّت عليها اللعنة وأضحت سبباً في الفراق، إلى أن عَلِقَ منديلٌ أحمر بأحد أغصانها فبدأت بعده الآمال تتعلّق، وأصبح نبراساً للعاشقين والطامحين في دروب التغيير.
رغمَ أنّ الروايات تستحوذ عليك وتُقلّبك وأنت الذي تقلّب أوراقها؛ إلّا أنّها تحلّق بك في عالمٍ آسر الجمال والخيال بكينونةٍ تُغازلُ الكمال، فتتفتَّح الآفاقٌ .. كما الزهور وتساقُط الأوراق ... تعتريك القشعريرة بشتائها .. تقفز كهلًا في حقول ربيعها .. وتطير منتشيًا في بحارها وتغوص في سمائها، وليس ذلك بعجيب ... فبقدر ما تمنحُك من لذّةٍ وسعادة قد لا يُفارقك مذاقُ أحزانها؛ ففيها السجال بين التمرّد والسكون، الخير والشر، والنور والظلام.
ولعلّني أغبط كاتبَ الرواية فولجْتُ مسلكَه، فهو أوّلُ من سرج خيالُه آلةَ الزمن وأوّل من حطّت جوارحُه عالمه المجهول.. وعالمه،، أسقط فيه حياته فإما وضعها أو أنكرها، وتحرّر من أعرافه فأدرج ما يحبّذ وأنكر منها ما ينبذ .. رسم خيالاته بأبعاد لم تُكشف، وعلى ألحانٍ لم تُعزف .. أَدخل وهجر من وما شاء من عالمه، فأقام دولًا بلا حدود، وزرع المحبّة دون قيود، ففي خياله قد لا تذبل الزهور، وتمكث الشمس دهرًا في ظُهور.
أمّا عني وعن الوبّاص؛ فذُقت بهجةَ الغياب في باطن عالمٍ بكر، ولَجتُه أعزلَ ومعزول، فجمعتُ الجمال .. وزرعتُ القمحَ والأخلاق، وحطّمتُ بقلمي القبحَ والنفاق، وتمنّيت ألّا أخرج من هذا العالم أو يخرج مني .. كان كُلّ شيءٍ تحت سيطرتي حتى كبرَت القصّة واشتدت، فأمسينا على وفاقٍ ثمّ تجافٍ إذ خيرّتها في أمورٍ سيرتني بغيرها، فرمتني بين أغصانها الشائكة، وتمرّدت على خيالي ثمّ تابعت نمّوها وتشعّبت جذورها في عقلي رغماً عني، وبدأت تغزو أحلامي وتخالط أوهامي حتى أصبحتُ أراها في واقعي .. ويحي، ألستُ أملك نفسي!! ألستُ من يُعدّ الجيوش ويصنع الدروع!! أم أن ذلك العالم لا يستوي إلّا بما استوى به!.
وحقيقة ما حصل، أنّني تصارعت وتحاورت معها حتى توقّف الصراع، فتحايلتُ لتكون ملكي فقط فأدفنها في ذاتي ولا أُسرّ عنها لمخلوق؛ لكنّها أبت إلّا أن تلفظ لثامي وتلفظ كلّ ما في بوحي .. لقد أجبرتني أن أُلملمَ سطورها من تلك البقعة في ذهني وأنقلها من عالمنا الخاص إلى أيّ مُهاجرٍ يهوى الخيال والسفر إلى عالمٍ فيه وجهة نظر.
في جميع الكتب المدعومة من وزارة الثقافة تجد هذه العبارة على الصفحة الأولى (الآراء الواردة في الكتاب لا تعبر بالضرورة عن رأي الجهة الداعمة) أحياناً تشعر أنهم كانوا سيضيفون أنهم بريئون من الكاتب براءة الذئب من دم يوسف! ياله من دعم! ياله من تبني! لا بد أن من حصلت كتبهم على هذا الدعم يعيشون في رفاه ونعيم ولا بد أن كتبهم قد انتشرت عالمياً فالوزارة تتكبد هذا العناء عن المبدعين لتسمح لهم بالتفرغ للتأليف وخلق الأفكار!!
بماذا تتفوق تلك الروايات التي حصدت الجوائز العربية والعالمية في السنوات الماضية على رواية الوباص؟ بتقنياتها أم بأسماء أصحابها أم بمواضيعها؟ أعتقد أنها تتفوق بمواضيعها المثيرة للجدل والتي يحتاجها السوق لرفع نسب المبيعات على حساب المضمون الهادف... أعرف أن الأمر يتجاوز طاقة وزارة أو هيئة أو رابطة ولكن عتبي على الأشخاص الذين رغم معرفتهم لوزنهم وقوة أثر اقلامهم إلا أنهم يلتزمون الصمت أمام هذا السيل الهادر من الكتابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع...
رواية الوباص عمل أدبي من زمان آخر لكاتب من زمان آخر أو لنقل أنه زمان اعتقدنا أنه ولّى إلى غير رجعة ولكن والحمدلله أن أقلاماً كقلم تامر لا تزال تبعث الأمل فينا أن الإبداع لا يندثر مهما علا صوت غيره فإنه قادر في كل مرة على إبادة أعدائه بضربة سيف واحدة كضربة شيحان بطل الرواية الهمام...
رواية ملحمية تقع في 350 صفحة من القطع المتوسط بعشرات الشخصيات تدور أحداثها في زمان ومكان غير محددين إلا أنهما على الأغلب في إحدى البلدان العربية قبل دخول الإسلام عندما كانت القبائل تغزو بعضها لتأمين قوت قومها... في منطقة شبيهة جغرافياً برأس الخيل بتوزع مدنها، الوباص كان يتزعم تلك المنطقة بحجة حمايتها من الروم... تحاول مدينتي الجوازل والحرجف التحالف تحت قيادة شيحان ضد مدينة العصوف مدينة الوباص للقضاء على مملكته التي بناها فوق أساسات من الظلم والجور والعدوان...
رواية تتحدث عن الحب والحرب والوفاء والشجاعة والخيانة والمكر والدهاء والخديعة وفنون القتال من خلال تقنيات فنية إبداعية مرسومة بريشة فنان يشدّ حواسك كلها لمتابعة الأحداث! أذكر أنني كنت أقاوم رغبتي الشديدة في النوم فقط لمعرفة نتيجة إجتماع مجلس الحرب في مدينة الجوازل حيث كان في حالة إنعقاد دائمة منذ قام الوباص بإحتجاز الغازي زعيم الحرجف وسجنه في قصره الشاهق الحصين...
ككل رواية متقنة كهذه لا بد أن تشعر بأنك عشت في أحداثها وأصبحت جزءا منها ولا بد أيضا أن تتعلق بإحدى الشخصيات دون سواها وربما تخوض بينك وبين نفسك حوارات مطولة قد تصل إلى الشجار عندما تسير الأحداث عكس رغبتك أو ربما تكون نالت من شخصية كانت مثالية في نظرك، بالنسبة لي فقد وقعت في حب شخصية زيد الداهية الذي كانت إقتراحاته سبباً رئيسياً في ترجيح كفة قومه بل أنها كشفت الكثير من الخيانات وسط أعضاء مجلس المدينة والذين لا يشك أحد في إخلاصهم ووفائهم للملك....
من زاوية أخرى فالرواية تطرح وبقوة أسباب سقوط العروش ورخاء الشعوب، تتحدث عن التخطيط الإستراتيجي لتأمين الموارد، عن الفرق بين قيادة الدول وقيادة الجيوش،عن الإستعدادات العسكرية في الحرب والسلام...
من الناحية الفنية فلا شك أن رواية بهذا الحجم من الشخصيات والأحداث تتطلب ذاكرة حاسوبية للسيطرة عليها وضبطها لضمان عدم وقوع تضارب في الأسماء والأحداث وهذا ما لاحظته في التسلسل السلس لظهور الشخصيات وتتابع الأحداث، ما يقارب من منتصف الرواية كان فقط للأيام السبعة الأولى من إحتجاز الغازي ولكننا لم نشعر بالملل فقد كان التنقل بين الحرجف والجوازل لطيفاً وخاطفاً عداك عن بعض ومضات العودة إلى الماضي حيث قصص الغرام وأسرار المدينة وعرافها والمنديل الأحمر المعلق منذ عقود فوق شجرة المجنون،كان هناك خيط رفيع خفي يربط الازمنة والأماكن ويمنع القارئ من إلتقاط أنفاسه فما بالك بأن يشعر بالملل!!!
والآن يأتي دوري كقارئ مشاكس في طرح الأسئلة، أين تامر في الرواية؟؟ وإلى أي درجة نجح في إبعاد الأنظار المتطفلة عنه؟ هل تعمد إظهار الجاسم على أنه غير مناسب لإستلام زمام الحكم في غياب شقيقه الغازي؟ ماذا عن الوباص؟ كيف إستطاع التربع على عرش رأس الخيل طوال هذه الفترة وهو بهذه الصفات من الغضب وسرعة الإستفزاز حيث دب الخلاف في مجلسه بين شامان والزعزاع أكثر من مرة دون أن يحسمه، الأمر الآخر كان في سرعة خسارته لحلفاءه وغضبه وعنجهيته التي منعته حتى من مفاوضتهم فقد نجحت رسالة زيد في زعزعة صفوف العصوف بسهولة! أما النهاية وهي بالتأكيد أمر خاص بالكاتب فقد كانت محزنة فالخيانة مؤلمة وقاسية ودائماً ما تجعلك شجاعتك معرضاً للخطر فأعدائك يتربصون بك من كل ناحية فنواياك الحسنة وطموحاتك لن تسلم من الحساد والأعداء...
وبجانب المنديل الأحمر ، أينعت على أحد الغصون ورقة خضراء.
أبدعت . أبدعت . أبدعت يا تامر
لديك مخزون فكري عميق . يحتوي على ألفاظ وأفكار كبيرة لم تكتفي بترتيب الكلام العبارات . لقد نلت من القادة العسكريين . والانتصار على مخططاتهم . فكنت القائد الحازم في تسلسل عبارات هذه الرواية وترتيب صفوفها وأفكارها وكانت النتائج دائما مشوقه . الغريب في الأمر والجميل في نفس الوقت. ما بنيت عليه صفحات روايتك من المكر والغدر والدهاء الكبير ، وما يقابله الحنكة والبصيرة والشهامة في الكشف عن خفايا كثير من الحقائق .
مهما كتبت عن هذه الرواية فلن اوفيها حقها.. تستطيع ان تقول انها تحفة فنية اصيلة ..في زمن كثر فيه التزيف والتحريف... تأخذك الوباص الى عالم اخر وزمان مختلف.. وتجعلك تفكر في كل شيء حولك. ستتعرف على الدهاء واصحابه.. وتعزز فكرة البطل المنقذ الموحد التي فقدناها حتى في كتبنا... ستمر بك قصة حب.. وقصة حرب.. وتاريخ يعيد نفسه ويطل برأسه من بين قضبان السجن.... ان واقعية الشخوص في كونهم خليط ما بين الخير والشر وتضارب المصالح.. الخيانة والغدر والمبرر المنطقي لكل ذلك..وتسلسل الاحداث والساعة الزمنية الدقيقة.. والنهاية الجميلة.. تجعلك تقلع القبعة للكاتب الشاب تامر راضي.. وتعترف بعبقريته.
اتمنى من الاستاذ تامر ان يمتعنا بالمزيد من كتاباته.. وان يكون بعد الوباص... روايات اخرى لها ذات العبقرية الادبية الروائية.