تشتمل هذه المجموعة الشعرية على قطع مختارة من الشعر الفارسي الجديد، وقد استغرق نظمها سبع سنوات برغم صغر حجمها. فهي لا تتناول فحسب بعض الموضوعات التي عالجتها أعمال مستور الروائية والقصصيَّة، ولكنها نُظِمَت بالأصل في سياق عمله السردي، فترصَّعت بها جمهرة من أعماله النثرية. لهذا، سيجد القارئ القطع كلها تقريبًا وقد برزت في ثوب قصصي، ولغة حارة بالعاطفة؛ ترفع الانفعال والشعور والخيال فوق الشكل والمفردات.
روائي ومترجم إيراني ولد في مدينة الأهواز. نشرت روايته الأولى: «وجه الله» بالفارسية عام 2001م؛ فحققت نجاحًا ساحقًا واختيرت كأفضل رواية في إيران، ونالت جائزة القلم الذهبي، وطُبعت خمسين طبعة خلال عشر سنوات. ثم نشر مجموعتين قصصيتين ناجحتين قبل أن ينشُر روايته الثانية عام 2005م، والتي لاقت إقبالًا واسعًا، وقد صدرت عن تنوير للنشر والإعلام بعنوان: «عراق خنزير في يد مجذوم». وفي عام 2006م نفدت مجموعته القصصيّة الجديدة فور طباعتها بسبب الإقبال منقطع النظير. وحين نُشرت روايته الثالثة عام 2009م؛ كانت أكثر الكُتب مبيعًا في معرض طهران الدولي للكتاب. ثمّ طُبعت مجموعته القصصيّة الأخيرة، عام 2010م؛ ست طبعات خلال ستّة أشهُر. ليُسطّر مستور اسمه كواحد من أهمّ عشرة روائيين وأكثرهم شعبيّة خلال ثمانين عامًا هي عُمر الأدب الروائي الإيراني الحديث.
دليلٌ آخَر على أنّ الشعر متى تُرجِم فَقَد شعوره ومشى مُكبّاً على وجهه في لغته الجديدة. رغمَ قدرة المترجم الجليّة، هناك مَسْحَةُ الجمال التي توقن وجودها لكنك لا تلمَسُها ولا حتى تقترب منها. إنه سرّ الشعر، الذي لا يُعطَى لغير ناطقي لغته الأم.
كتابات مصطفى مستور عذبة متفردة، تعبر بصدق عن وجدان صاحبها، وقعت في هواها مذ قرأت روايتيه القصيرتين: (وجه الله) و (عراق خنزير في يد مجذوم)، ما جعلني متحمسا لأي شيء من إبداعه قد تُرجم للعربية؛ فقرأت مجموعته الشعرية (ثم فاح النور من يديك). لكن اختلف الأمر بشدة هذه المرة، إذ لم أستمتع كثيرا بقراءتي الأولى لهذه المجموعة الشعرية، ووقعت في حيرة تائهٍ عند مفترق طرق، هل شعر الرجل ردئ، أم العيب من الترجمة، أم أنا الذي لم أتلق كلماته جيدا فلم أحسن تذوقها.. لم تطل حيرتي كثيرا إذ تذكرت تجارب قديمة مماثلة مع قراءة الشعر المترجم وقد وقعت من نفسي الموقع ذاته أو هو أسوأ؛ فأحجمت منذ زمن عن قراءة الأشعار المترجمة! فللشعر خصيصة تميزه عن سائر أنواع الأدب؛ إذ لا يمكن حصره في موسيقاه فقط، ولا في معانيه وحدها، ولا في أخيلته، بل هو مزيج من ذلك كله مضافا إليه روح اللغة المكتوب بها والوجدان الجمعي لمتحدثيها، ذلك الخيط الأثيري الذي يضبط روح الشاعر مع روح القارئ على الموجة ذاتها! وقصور القارئ في تلقي هذه المكونات أو بعضها يُضعف تجربة قراءته للشعر بلا شك ويجعله غريبا عن روح الشاعر ورسالته.. بل أزعم أن إجادة لغة الشعر الأصلية لا تكفي لتمام تذوقه مالم يصحبها إحساس بروح اللغة الضاربة في عمق التاريخ، وما لم يصحبها إلمام بثقافة أهل تلك اللغة قديما وحديثا. لكن ذلك كله لم يصدني عن قراءة ثانية متأنية لهذا العمل، فإن كنت قد حُرمت إجادة الفارسية والإحساس بروحها، فليس أقل من أن أحاول الإنصات لدبيب من روح الشاعر نفسه قد يتناهى إلى سمع قلبي من بين كلمات الترجمة العربية! وجدت - كما في روايتيه أيضا- إيمانًا ذا نزوعٍ صوفيّ يتحلى به مصطفى مستور، وهو إيمان يلج إليه من باب الحب، ويترقى فيه بترقيه في درجات هذا الحب! أعجبتني ( الورع الصوفي)،( بقايا العشق الإلهي)، و(يا أرحم الراحمين) .. كذلك أعجبتني جدا (النشيد الوطني لمائة وثلاثة وخمسين بلدًا في العالم)؛ ذكّرتني بأسلوب أحمد مطر في شعره. وكعادته في رواياته إذ يختتمها بمشهد ملحمي عاصف، اختتم مستور مجموعته بقصيدة عاصفة هي (كل من عشقتهن). كان الطريق إلى شعر مصطفى مستور في البداية مظلمًا، ثم فاح بصيصٌ من نور من بين أيدي كلماته المترجمة إلى العربية!
أنا أحب قلم مصطفى مستور ، قرأتُ له من قبل رواية (وجه الله) و التي أعتبرها من أجمل الروايات التي قرأتها و أكثرها أثراً في نفسي ، و قرأت أيضاً له روايته (عراق خنزير في يد مجذوم ) . هنا قرأت مصطفى مستور شاعراً ، فأعجبني أيضاً ، أنتظر من دار تنوير أن تكرمنا بالمزيد من الترجمات لهذا الأديب العظيم .
تأخذني هذه المجموعة دومًا إلى تلك المرأة المحبوبة ذات الحظّ السعيد، التي يمكنها أن تُلهم بمثل هذه المشاعر الدافئة والجياشة في الوقت نفسه. المجموعة على جمالها تتميز بالبساطة وتبعث على الهدوء، ولاوجه فيها للقتامة كما وصفها صاحبها في الإهداء وربما كان يصف نفسه حينما كتبها مثلًا.
يقول :إلى عبارة أحبك البسيطة، إلى فنجانين قهوة ساخنة، إلى ثلاثة أيام عطلة في الشتاء، إلى أربع ضحكات عالية، وإلى: خمسة أصابع جديرة بالحب
هل ينقذنا انسان من براثن البحث عن معنى؟ سؤال يدور في بالي منذ وقت، هل يمكن لشخص (حبيب- طفل) أن يمنح لحياتنا ذلك المعنى الذي طالما عذبنا غيابه؟ في كلمات مستور وجدت إجابة أتمنى أن أصدقها وبالتحديد في قصيدة تحت عنوان "فلسفتُكِ" والتي كتب أسفل عنوانها إهداء لا تقل كلماته جمالا عن كلمات القصيدة ، يقول فيه "إلى ملاذي في كل لحظاتي العاصفة طوال العشرين سنة الماضية" تأتي كلمات مستور العذبة الشافية كما يلي:
" كل الفلسفات المعقدة، حول الحياة ومعناها؛ فقدت قيمتها أمس، عندما كنتِ تعقدين زر قميصي، على هامش أصيل الأحد المتعب، بفيض من خيوط النداوة والبساطة والعشق."
صعب جدا تقييم الشعر المترجم مصطفى مستور الذي عرفته في "وجه الله" غير الكاتب الذي عرفته في "عراق خنزير في يد مجذوم" و غير الشاعر .. بساطة الكلمات أحيانا تحمل في ثناياها أشياء ثقيلة