ان يكتب مخرج وصانع افلام رواية ستجعلك ترى ولا تقرأ انت لا تقرأ انما تشاهد فيلم وتسمع موسيقى الناي واصوات النوارس وتشم رائحة اليود من ماء البحر تنتقل بك الكاميرا كثيراً ويأسرك التفاف اللغة ودورانها وطوافها في رقصة مولوية لا تنتهي
لمحات من هنا وهناك .. يرسمها الكاتب بشهقات مستمرة .. حملتنا المشاعر أماكن متناثرة .. أسرنا البحث في الشوارع المترامية.
التصوير الفني الرائق "من مخرج" شيء محتّم .. متقن وذو صيغة بالغة .. وذلك العجوز الذي بحثنا عنه في كل زاوية مع الكاتب .. نركض بين المرافئ علّنا نلتقيه ونجده.
شهقات في مهرماه أوصلت نورسًا لرومي اسكودار … روح تصوف ذكية ، عقل سيناريست و قلب مخرج أما الوجدان فلطفل اجتباه الله حيًا من الرميم ما يميز نورس أبو صالح في كتاباته أنها تخرج من رحم الحياة التي يعبرها ، فيحيك الخيال من واقع الطواف ،جنونه جميل و لغته طيبة لا انبطاحات فيها ليبقي ألَقُها متوهجًا من السماء و يعطي الأرض ! نحتاج كل ٥ سنوات من العبور و الطواف و الإرتحال لكتاب كهذا إن شاء الله له الكتابة و لنا القراءة تصوف فني و توجس أنيق ، و عزيزة “حفظها الله” تدعو لك بطول العمر و الوصول لإجابات بواطن روحك ، الترحال من أرض عثمان إلى الوطن لتتكور في قلبها مهجةً من الله فيها
٩ أمتار مربعة ، غير مكتملة الهيئة ، موسيقى بشيء من الصوفية ، رائحة الخريف ، كوب شاي معطر ، و ٣ ساعات كانت كفيلة لأحيا في إحدى إنعكاسات ليالي عالم تجمد حد التوقف !
حقيقة شِعرِك مُزجت بخيال نثرك شكرًا لك لإحترامك العقول ، احترامك عقلك المعجون بزيت الزيتونة التي نبتت فوق ذلك المقام ، و فُكاهة جدتك حمى روحها الباري
لا أجف الله قلمك و لا انقطعت عن “كان” أفلامك ، و لحَّفك بتمام لغتك و عذوب نايك و أسرع من لقاءك بأفق إن وُجِد .
ملاحظة : ضحكت كثيرًا بين ثنايا العقل الفلسطيني و استحضرتني بعض المواقف المشابهة في كل بيت فلاح و العقل الدقة الي لا بياخد و لا بيعطي ، خاصة اذا كان مصفى من زواج الأقارب.
حين تقرأ رواية بعين صانع أفلام لا كاتب ..بعين مخرج لا مؤلف ..بعين رائي لا راوي ! وحين تعرف أنك في كل تلك الأسطر المرتبة ، ستشاهد ببراعة هذا القلم مشهدا تلو مشهد ..وستتجلى لك الصور تباعا ..أعلم تماما أن كل الروايات تمتليء بالصور ، لكنها صورا مقتضبة تشبيهية ..هنا مع نورس تكتمل كمشهد لا يشوبه خلل. إذا حدث واقتنيت هذه الرواية وبدأت في قراءتها ، سيتسلل في داخلك شعور هاديء جدا ..حتى حين كان نورس في أشد حالاته غضبا كراوٍ كان يبدو لي هادئا ، بين الأسطر حديثٌ صديق، حديث واسع ، حديثُ سمير لا يُمل . هو عجوز أسكودار إذاً ، ومن منا لم يلتق عجوزه يوما ! ومن منا لم يمتلك شاراته ..ويتتبعها ..ويصاب بالخيبة حين لا ترتبط ..حين لا تتحقق! من منا لم ينظر لذاته حين بحث فيها أنه قد يكون هو هو " المجتبى" ابتداءا وانتهاءا ..وكأنها جبلة البشر ..هذا الإنسان "المكرم" الذي يستأثر دواخلنا بكبر وعجرفة وتيه في ذات آن ! لو قلت انها رواية في البحث عن الذات ..سأكون محقة بنسبة ما ..عن "حرب الذات " كما يسميها نورس ، أو لو قلت أنها أزمة هوية هذه الهوية التي لا ندرك أحيانا كيف نعرّفها أو نعرفها لكثرة ما نهجّر ..لكثرة ما يتقلب مسقط الرأس منا لكثرة ما نتنقل بين البلدان والجنسيات واللغات ولكثرة ما يقع من أو في تاريخنا سهوا لكثرة ما نختلف في "التأويل"! يتنقل نورس بين الأماكن والذكريات والأحداث في سرد يمتع القاريء حين ترتبط كل الأحداث في ذاكرة واحدة تحاول الاستدلال على شارة هنا أو هناك .ارتباط الانسان متجذر داخل هذه الرواية ، يحاول فيها نورس أن لا يغفل أي ناحية إنسانية تسكن روحه ! هو سيحملك في مشاهداتك ويتنقل بك فيقلع من فسلطين تجاه سوريا عابرا الأردن نحو تركيا ثم سيطير بك في جولة مثيرة إلى أوروبا ..فرنسا تحديدا ..وفي كل مرة تجده يتحدث بلسان إنسان باحث عن ذاته وسط كومة من الصراعات ، صراع ثقافة ، صراع افكار ، صراع تاريخ، صراع اللغة ، وصراع "قضية". هي رواية مثقلة ب " الغربة المركبة ، والحنين المعقد ، والحب البعيد المنال.." سيحدثك نورس كثيرا عن تركيا والعثمانيين والأناضول والبسفور وأوسكودار ومهرماه وعن أزقة تركيا وعيش الأتراك تاريخهم، سيحدثك قبلا عن الفلسطيني ..مقاومته ..صموده ..جهاده ..وبالطبع عن خصمه ، هذا الذي لحق به منذ الأمس وحتى "كان" ..عن أعقاب البنادق ، عن الكرامة تحت وطأة المحتل ! وعن أوطان أخرى تعبرك خلال عيشك_بحثك ! عن البتراء وسيقها وحربها ، عن سوريا ..ومأساتها ، وعن كوب الشاي وحلقاته و"شمس" ومدرارت كواكب ..وعن رقصات متصوف عاشق ..وأنغام ناي خشبي ..وعن "رؤيا" تأويلها يأتيك تباعا في سردها كرواية . سيحدثك عن هموم صانع أفلام ، عن خيبة هنا أو هناك ..عن نزعات صوفي لا زال في عومه الأوّل طفلا ..بتول حين يغرف من روعة البدايات شرابا لذيذا محملا بالندم " هذا صيد محمل بالأسى" حين أقول لكم ستقرأون بعين رائي لا راوي ..ستعلمون ذلك حقا حين ترون نورس يتقمص المشهد ..أي مشهد يقوم بسرده ..سيكون هناك..هذا الاحساس العالي جدا الذي يرتبط بكونه صانع أفلام خصب الخيال _وعذرا يا نورس لشدة ارتباط مهنتك بك وبكتابك _ صاحب همّ ، لا يدرك كم أهمّه؛ حتى حين كان يتوه بين الهموم ..ولا يدري أيها الأهمّ! المتعة في قراءة هذه الرواية أنها على اتصال مباشر بنا ، رغم ذاتيتها _وهذا أمر مفرغ منه في الروايات_ رغم خصوصية الرؤيا ..والسرد والأحداث ، ورغم صراع الكاتب في دواخله وبين يقظته وحلمه ..لكنه سيجد لك مكانا ، سيسعك في رؤياه ،ستعيش معه بين الأسطر ، وستقف عند الصور وعلى أطراف الحوار ..وستدرك كم أنك معه. في أحد المشاهد ، وجدتني فعلا أعيش لحظات حقيقية وكأنني أشاهد مقطعا في فلم متقن التصوير_"أي والله"_ ..انه مشهد وحش البحيرة ..الله يا نورس كم برعت في الوصف وكم حلقت بالقلم ..وكم أجدتَ الحبك هنا . لن تجد على أية حال حبكة_عقدة_ تتصاعد فيها وتيرة الأحداث وتتأزم بشكل معقد ، لأني كما قلت من البداية ، هدوء نورس كان متجليا كرَتم مُحكم طوال الرواية ، فحتى حين تتصاعد الأحداث الى حد ما ، ستكون كقاريء مستوي على جودي الحرف ،تتخابطك سطور السرد بطوفان لا شدّة فيه . ستجد نورس فيلسوفا متصوفا قديسا متهورا ..إنسانا ..وصانع أفلام في النهاية ، ستجد "شهقة" تبعثر كل الأوراق وكل الأمكنة وكل الأحداث تخلطها معا في نمط متقن ..لتقول لك لا " إقرأ " بل " إفهم" أو " أتقن التأويل"..فحتى حين تكون الشارات وهم بحت ..هناك دوائر وأفلاك ومدارات يجمعنا فيها مركز أوحد . سيمتعك حرف نورس ، لأنه كان في لغته مستمتعا ..ليس واضحا بسيطا ولا مباشرا مملا ولا متقعرا بمشقة ..بل مستمتعا بحرفه ولغته وشعره ونثره..ستجد حس العازف والشاعر ..رقة قلبه وشفيف روحه ..وإنسانيته التي لا تميّز ولا تحابي غيرها. قراءة ممتعة / ورحلة شيّقة ..وشكرا لرؤيا نورس وعجوزه وشهقته. و "أي والله "... يا نورس
ما لفتني في الحكاية أن صاحبها مجنون! يأسرني الشخص الذي يسعى لما يملي عليه عقله ولو خياله؛ لأنني أرى فيه إنسانا يحيا .. طريقة سرده، وإدخاله للقطات الماضي في رحم الحاضر كانت عجيبة .. حالته الروحية، الحوارات والنقاشات، الجمل والمصطلحات المستخدمة، كلها غاية في الروعة، والإتقان كذلك.. مجرد القراءة جعلتني أدخل في المشهد كأنني أراه، أتنقل بين حاضره وعقله، أقف على الجمل التي تحمل معان مستفيضة -وكلها ذات مغزى-.. روحه التي تعلقت بالعجوز رغم ترداده -اي والله- لا غير، جعلتني أشعر أنهما ممتزجين؛ تماما مثل الدرويش الذي يرقص وكفه بيده اليمنى موجهة للسماء -كوجه نورس الموجه للأعلى في صورة الغلاف- ويده اليسرى موجهة للأرض -كوجه العجوز الأسكوداري المحدودب ظهره الموجه للأسفل-.. إن كانت هذه أول رواية لنورس، فكيف سيكون ما بعدها! لنورس روح كتابية مميزة وفريدة، لغته محبوكة وقوية لا اعوجاج فيها ولا اصطناع .. مميز في كونه داخل الواقع، تراثه ووطنه في داخله يحمله حيث كان، صريح في مواقفه وبوحه، عجيب فعلا.. الإبداع يحتاج لروح مبصرة، كما روح نورس، محلقة دائما.
عندما تختلط مرارة الواقع ويتفتق جمال الخيال والأرضي المتعب والسماوي المبجل ويلاحق مخرجنا وراوي قصتنا "المجتبى" أفكاره وتأملاته التي تأخذنا الى أماكن حالكة وأزمنة عابرة وشخصيات متنوعة ومثيرة للجدل والكثير الكثير من القطط! تتجسد رواية عجوز أوسكودار بشكل عميق ومؤثر على محدودية صفحاتها. لكنها لامستني جداً في كثير من أحداثها الزمانية والمكانية ومرجعياتها الشرقية
أبدعت وأمتعت وأثّرت بي الرواية كثيراً وحركت كماً من المشاعر المكبوتة والمخدرة في غمرة اللهاث الدنيوي المتسارع. انصح بقراءتها بشدة "ولو نجوت من هذه فستنجو"