أمّا البطل فيشبهني في كثير من الأشياء. وفي الأشياء التي لا شبه بيننا فيها، مثل الاسم وزمان العيش ومكانه، يكمن السرّ في ما اعتزمت. غير أنّ بطلها معجب باسمه على الأقلّ، ويفخر به، إذ ليس لديه مفخرة غيره. وأنا لا يعجبني حتّى اسمي. ولا فخر لي فيه. أحتفظ به فقط للأوراق الرسميّة ولأفواه الناس حين يسبّونني وحين يمدحونني إن فعلوا، طبعا. أوّلا لأن الناس عندما لا يعترفون بجميل -وإن قلّ- يسهل عليهم هوان أيّ كان. وذلك شأن من يهون على رأي الشاعر القديم. ثمّ إنّي أنا حفيّظ بن علي العيفة، لم أفعل شيئا مهمّا يستحق المدح في نظري. وحتّى إن كان في ما فعلت شيء يستحق ذلك في نظر البعض، فهو عندي لا يعدو أن يكون واجبا لا فضلا.
هل سبق وأن أتممت قراءة رواية ورغبت في معرفة مصير أبطالها أو تساءلت إن كان لها جزء ثان أم لا ؟ هذا ما حدث لي مع هذه الرواية. اشتريتها صدفة من معرض الكتاب السنة الفارطة بعد أن جذبني عنوانها "خمس عشرة جدة وحفيد واحد" لعلي الخريجي. لم تحدث ضجة مثل العديد من الروايات التي أصدرت ولا أدري فعلا لماذا لم أسمع عنها على الأقل في محيطي مع أنها تستحق أن تقرأ. ولا أبالغ إن قلت أنها من أفضل الروايات التونسية التي قرأتها. ولكن يبدو أنه في عالمنا هذا تظلم الروايات أيضا. ينشر الكاتب في هذه الرواية مذكرات والده الذي سجلها له في أشرطة تركها أمانة عند خضرة خالة الكاتب وحبيبة الأب الاولى. أصدرت المذكرات ورقيا وفقا لرغبة الوالد الذي لم يقدم عليها بنفسه ولم يغير الكاتب فيها بل نقلها كما هي. تدور أحداث الرواية في فترة الاستعمار الفرنسي لتونس من سنة 1934 إلى سنة 1955 في مدينة مارث من ولاية قابس. بطلنا اسمه "حفيظ عيفة"، قد يبدو الاسم غريبا ولكن كان لوالدته دوافع مهمة لتسميته هكذا حتى أنها تحدت التقاليد المتبعة لاختيار أسماء الأطفال في تلك الفترة. شارك في الحرب العالمية الثانية في فرنسا ضمن التونسيين التي أجبرتهم فرنسا على القتال معها كما كان ضمن المناضلين في المقاومة المسلحة ضد الفرنسيين في حرب الاستقلال وسجن في السجون الفرنسية بتهمة نقل السلاح وكان أيضا من الذين رفضوا تسليم سلاحهم بعد إمضاء اتفاقية جوان 1955. عاش حفيظ العديد من المفارقات أهمها علاقته بوالديه، زواجه من أخت حبيبة طفولته وطريقة زواجه منها، إنجابه لابنه بعد 4 سنوات من الزواج في ليلة القبض عليه، كيفية القبض عليه... يمكن تقسيم الرواية حسب أهم المراحل التي عاشها البطل: طفولته ومرحلة دراسته، مشاركته في الحرب العالمية الثانية كجندي في الجيوش الفرنسية ، عودته من الحرب والفترة الفاصلة بين الحرب وانطلاق المقاومة المسلحة ، زواجه، فترة النضال ضد الفرنسيين ،مرحلة ما بعد الاستقلال الداخلي ... أتاحت الرواية لي الفرصة للتعرف أكثر على فترة الاستعمار الفرنسي والظلم الذي سلطه على التونسيين، تأثير الحرب العالمية الثانية على التونسيين كتهجيرهم من منازلهم، وتجنديهم وإجبارهم على الدفاع على فرنسا ، عادات وتقاليد تلك الفترة، النضال والمقاومة المسلحة، التعذيب في السجون الفرنسية، اختلاف أراء المقاومين ومواقفهم من اتفاقية جوان 1955. لا أحب النهايات المفتوحة ولذلك لم تعجبني نهاية الرواية ولكنها أثارت فضولي لمعرفة ما حدث لحفيظ بعد سنة 1955 . فعلى أمل أن يكون هناك جزء ثان لهذه الرواية.
خمس عشرة جدة و حفيد واحد رواية لعلي الخريجي الذي جمع فيها التاريخ و الرواية، قصة وردت على لسان والد الكاتب تركها لإبنه على أشرطة مسجلة تقصّ ما مرّ به من مأساة الحرب العالمية الثانية و الحرب التي شارك فيها رغما عنه مع فرنسا في أوروبا ضد قوات المحور أيام الاستعمار الفرنسي ثم اعتقله بتهمة تهريب السلاح مما أدى إلى سجنه و تعريضه لأقسى أنواع التعذيب دون استسلام منه إلى أن ضحى بزوجته عندما اغتصبها المستعمر أمام عينيه و عندما تركها هي و ابنه عند هروبه من السجن و خيّر مواصلة النضال و تأجيل الثأر لها بعد نيل البلاد استقلالها كما تحدثت الرواية عن المجتمع التونسي و عن معاناة المرأة والجهل و العادات والتقاليد و عن التاريخ الذي يعيد نفسه و الكثير من الأحداث الأخرى..
رواية مرهقة 😥 😢 تحتاج منك الكثير من الجهد حتّى تبوح للآخرين عن عوالمها، لعلّها شهادة حيّة عمّا عاناه ثائر من ثوّار المقاومة ضدّ الاستعمار، تحدّث عن بيئته التي اختارت له اسمه ومصيره وأنكرت ذاته، لا قيمة له في عيونهم، هكذا كان يرى الراوي "حفيّظ" نفسه، كان اهتمام أمّه بالدجاجات أكثر منه، أمّا والده فكان يراه لا يصلح لأيّ شيء، حتى اختيارهم في أن يدرس ولدهم الوحيد كان من أجلهم حتى يفخروا به، حتى يقرأ لهم الوثائق، هناك تعرّف على خضره الحبّ الذي عاش معه طويلا حتى أنّه قرّر أن يتزوّج أختها سعاد الصغرى كي يرى حبيبة طفولته في وجه أختها. حدّثنا عن العرّافات والشعراء والمغنّون الرّحل، حدثنا عن الجهل، عن مكانة المرأة والزوجة التي لا يولون أي اهتمام بها ولا ينادى حتّى باسمها، عن الزواج الذي يكون إلا من الأقارب وتختاره الأمّ فقط أو ترفض مدى الحياة كالغريب وتنفى كما حصل مع زوجته، المرأة التي يجب أن تكون النفس المومنه كزوجة عمه فاطمة وما إن توفي والده وتزوّج عمه أمّه زينة، حتى اشتعلت نيران الغيرة في فؤادها وأقامت الدنيا وكانت المتمرّدة الأولى في النسوة آنذاك..، حدّثنا عن الحصبة والكوليرا التي يسمونها البو برّاك، عن القمل وقصّته مع هذا المرض ومن حوله ممّن أودت بحياتهم هذه الأمراض..تحدّث الراوي عن الحداثة وآلات الحرب التي ظنّوها دوابا، عن التجنيد في فرنسا ومحاربته في صفوف المحتلّ.. عن التهجير والترحيل وآثار الحرب والموت والدماء، عن المستعمر وبطشه وعيونه والوشاة الذين يبلّغون عن الثوّار، ثم يجمعهم سقف واحد إثر اتفاق 1955. تحدّث عن تجربته في سجون الاستعمار، عن اغتصاب زوجته أمام عينيه، عن قسوة سجنها وهي متهمة بالخيانة وبحملها من رجل آخر.. عن الوهم الكبير التي يروجه الكثير بأنّ فرنسا مدينة الأنوار والحقوق الإنسانية ومعاملة عساكرها تخلو من الرحمة والإنسانية.. هذه الرواية تحتوي على أكثر من حياة، تعيدك إلى الماضي السحيق، إلى شهادة حيّة عاشها هذا الرجل المناضل، بحلوّها ومرّها، قسّمها الكاتب على ثمانية عشر فصلا تحدّث فيها عن الكثير من الأحداث منذ أن كان طفلا إلى سنة 1955. لمن يكره الروايات التاريخية، لن تملّ منها ولعلّك ستنصهر فيها، هذا الماضي الذي بقي مخفيّا عنّا يجبُ أن يُقرأ.
خمس عشرة جدة و حفيد واحد هو عنوان الرواية لعلي الخريجي ابن مدينة مارث المعروفة بخطها العسكري.. عنوان يحثك على التدقيق و التخمين حيث يبدو أوليا لا يمت بمحتوى الكتاب بصلة.. واني صار لي الشرف ان أعطاني الخريجي شخصيا لمحة عن مغزى العنوان.. اما عن الرواية.. كيف لي أن اصفها؟ فهي لعلها بدون مبالغة من أحسن ما قرأت لكاتب تونسي بعد محمد عروسي المطوي او علي الدوعاجي.. رواية تحملك من خلال شخصية حفيّظ في رحلة عبر تاريخ تونس في فترت الاستعمار و تحديدا فترة ما بين الحرب العالمية الأولى و قبيل استقلال تونس.. رواية تذكرنا برجال ضحوا بأعز ما لديهم من أجل وطنهم.. لكن هل رد لهم هذا الوطن الجميل؟ أدعوكم لاكتشاف التفاصيل بأنفسكم.. مع خالص تحياتي لأهل مارث و قابس وكافة الجنوب التونسي الذي يزخر بأدباء من الطراز العالي... Raouf J. - 18.01.2023