" مدخَل قبل آلاف السّنوات وفي طروادَة المدينة التي حاولت أن تكونَ جمهوريّة المثاليّة الفاضلة، والتي لا أعرف حقًا إن سبقت أفلاطونَ أم تلته، ولا أعرف تحديدًا إنْ تجاوَزت حدودَ الأسطورة، والتَحمت بالذاكِرة – الأرض أم لا، لكنّ الأسطورة تدّعي أنّ أبولّو إله الشّعر، وبوسيدون إله البحر بنياها، ولكَ أن تتخيّل نتاجَ تمازُجٍ كهذا. وقبل آلاف السّنوات أيضًا استطاعت إلهة تُدعى أفروديت إعادة باريس ابن ملك طروادة بريام إلى المدينة بعد أن أغرته ليفضّلها في الجمال على إلهتين أخرتين في أرجَح الرّوايات، باريس الذي استطاع اختطاف هيلين ملكة إسبرطة الجميلة، وأخذها إلى طروادة، ليُشعل فتيل حربٍ دامت عشرَ سنوات، فهل تصدّقون أنّ حربًا تدوم عشرَ سنوات من أجل امرأة؟ لا يُهمّ هذا، فقد أبيدت طروادة، ورغم أنّ إله الشّعر صنعها بيديه، لكن لم يَكتب أحدٌ من شُعرائِها أو كتابها نصّ المذبَحة، أو تفاصيل الجنون في عشرِ سنوات عِجاف، وتركوا للآخرين مهمّة الادّعاء أو الحقيقة كهوميروس مثلًا، "نحنُ نتكلّم باسم الغائب، باسم شاعِر طروادَة، فإنّ الوحي الشّعري والمشاعر الإنسانيّة تظهر في الهَزيمة أكثر مِنها في النّصر"، هكذا قالَ درويش للصحفيّة، "ونحنُ نكتُبُ ما أرادَ شعراءُ طروادة كِتابته، فللحقيقة وجهان، نحنُ استَمعنا إلى الرّواية الإغريقيّة، وسمعنا أحيانًا صوت الضّحيّة الطرواديّة، أمّا أنا فأبحث عن شاعِر طروادة؛ لأنّ طروادة لم تروِ حكايتها"، أذهلَها ربّما، وربّما أرادَ أن يقول إنّنا نكتُب لكي نؤرّخ لموتنا بأيدينا، ولكي لا نُصبِح عُرضَةً لأساطيرِ الآخرين، نكتُب لكي تنتَصر طروادَة –الوَطن على ترهّل التاريخ، ولكي لا يَفنى أبولو الذي وقفَ على أطلالها واستَوقف، وبكى واستبكى كالمَلِك الضّليل تمامًا. "مِن العَبث أن يبحَثَ شاعرٌ عن مصدرِ أغنياتِ قلبه" هكذا قال جُبران ذاتَ تجلٍّ في رمل وزبد، ومن العَبث أن أبحثَ أنا عَن تَصنيفِ ما كتبت، أو نَزفت، فأنا أعتقد أنّ هذه هي الطّريقةُ الوَحيدة التي أصرخُ بها في وجه العالم بلطف، أو بعنف، لا يُهم، ومن الجُنون أن أكتُب مقدّمة لنَفسي، وهذا ليسَ نوعًا من النّرجسيّة، أو الجنون الزّرادشتي إطلاقًا، لكنّني أزعُم أنّني أعرفني جيّدًا، وأجهلني جيّدًا، لهذا سأقدّم ما أجهله وليسَ ما أعلمه، فأنا أجهلُ فعليًا ماذا قصدتُ في بعضِ النّصوص، وبعضِ المقاطِع، وبعضِ المشاعر، على الرّغم مِن إدراكي جيّدًا للحوادِث المرتَبطة، وجهلي هذا لا يدفعني بتاتًا نحو محاولة استكشافِه، أو تركِه بعدَ حمّى الرّحيل لهوميروس جديد، فرحٌ بجهلي جدًا، وإنّما أحاول العلوّ به قبل علوّي ببعضِ المعارفِ التي لم يعد لها معنىً بعدَ اجتيازي دربَ التّبانة أو اللّبانة -لا يُهمّ مرّة أخرى- وحدي نحوَ مجرّة أخرى أسكنُ فيها وحيدًا، قانعًا بوحدَتي ظاهريًا، متسائِلًا عن مجازِ العلوّ، ومدى اكتراثِ الآلهة القديمة به لو كانَت وحدها، معتقدًا بضرورة إكمال الصّعودِ اللامحسوس، وبضرورة غزو الدّنيا بحفنة شَكٍ؛ لعلّنا نقتربُ من يقينٍ لا تَشوبُه حنّاتُ العقلْ. عليّ أن أسأل ما هو تعريفُ الشّعر، فرغمَ اجتيازي ليسانس (بكالوريوس) الأدب العربي ما زلتُ أجهلُ تعريفَ الشعر، فربّما هو الجَمال والفن، وربما هو الوزنُ، والقافية، والبحرُ الطّويل، وربّما هو الشّعور الجميل الذي تتركه الكلماتُ في نفسِ القارئ، وربّما هو عبثٌ ولا شيء، لا أعرف فعلًا؛ لهذا لم أكن قادرًا على تصنيفِ ما كتبتْ، وتقسيمه أبوابًا، أو عناوينَ حسبَ الموضوع، والوزن، أو حرقه في أحسنِ حال، فقمتُ بضمّه معًا، بلا عناوين، أو أبواب، وبأرقامٍ وأحرف هجاء كنوعٍ من التّفريق الشّكلي بينه لا أكثر، ولا أقل، وهذه النّصوص – الذاكِرة، إن صحّت تسميتها، وصحّ تأنيثها بعد تذكيرها، ما هي إلّا مذكّراتُ الرّحلة التي حدّثتكم عنها، أعلم جيّدًا وقتَ كتابة كلٍ منها، وأعلمُ أنّها على الأغلب لن تَعني لكم شيئًا، وربما لم تَعد تعني لي أيضًا، فأنا فقدت الكَثير من قداسة الأشياء، فأنْ أنشرها أو أرميها ذاتَ مساءٍ عاصفٍ سواءٌ سواءْ. رغمَ خروجي من بوتقة القداسَة، ما زلتُ مقتنعًا بوجوب حفظِ جلالة النَص كما ولدَ في اللّحظة الخاطفة التي يتوقّف فيها الزّمن الهُلام، متجاهلًا جدل الطّبع والصّنعة، ونحتَ الصّخر والغرفِ من بحر، ووحي أفلاطون، وسطوة عَبقر، والسيريالية الحديثة، وجدلَ قصيدة التّفعيلة وقصيدة النّثر، ومناكفات الإحياء والديوان، وتفصيلاتِ الأجناسِ الأدبيّة، مقتنعًا أنّني أكتبُ ما أخسرُه منّي، والآن أنا بقايا، وقريبًا سيذهبُ الوقت بهذه البقايا؛ لأظلّ هُنا فقط. أعلمُ أنّ ما يَخرجُ إلى الوَرق يُصبح ملك القارئ، وملك مدنِ الملح ومخيّمات الصّفيح الساخن -بتعبير منيف، وكنفاني، والطّيب صالح-، وملكَ الرّواية الفلسطينيّة الجمعيّة التي نوثّقها بفردياتِنا، ويخرجُ من وصايَتي المفروضة قسرًا عليه، إلى فضائِكم الواسِع غريبًا، مكلّلًا بالبرد، لكن كُتِب عليه أن يواجه مصيرَه أمام العَدم، فوضويًا قلقًا؛ كي نتجاوَز حصاد الوقت لحيّز وجودِنا، واختِبار الزّمن الصّعب لفتاتِ الأبجديّة في الخُلود- السّفر المُقدّس، ولكي نُمنح رغبَة طروادَة في التّجدّد -المجاز، ونقاومَ رغبة أبولو– عبقر بالصّمت، الصّمت المشاع."