يمكن أعتبارها أفضل رواية قرأتها للروائي محمد العون حتى الآن، سبق له وكتب رواية تاريخية رائعة في نظري وهي "مولانا" عن الملك فاروق ومصر ما قبل ثورة يوليو ٥٢.. أما في هذه الرواية فإنه يتراجع عدة خطوات للوراء ليذهب إلى تاريخنا القديم بعد انتهاء الأسرة الثالثة. الرواية تتمركز على حادثة سرقة جثمان ومتعلقات الملكة "حتب حرس" من مقبرتها بواسطة أحد النحاتين الذين عملوا في بناء تلك المقبرة قديمًا.. ويستعرض من خلالها حياة الملكة التي كانت ابنة ملك وهو حوني، وزوجة ملك وهو سنفرو، وأم ملك وهو خوفو مؤسس الهرم الأكبر. أفضل ما في الرواية هو جزالة اللغة وسلاسة الحوار، وكذلك رسم جميع الشخصيات ببراعة سواء على الجانب النفسي أو الشخصي، وأيضا وصف الأحداث والتفاصيل والأماكن بدرجة تكاد تؤمن بأن الكاتب قد عايش هذه الحقبة أو ربما كان من ضمن أفراد العصابة التي سرقت المقبرة قديما! فالصورة التي جاءت في الرواية للحياة الفرعونية تجعل القارئ يتفاعل ويتعايش معها بعيدًا عن الكلاشيهات المعتادة لهذه الحضارة. فصور بذكاء العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ونفوذ الطبقة المالكة وحقد الشعب عليها، كذلك ضرب معتقدات الخلود وقداسة الموت التي تبناها القدماء بطريقتهم. ربما يعيب الرواية فقط التشتت نسبيا في السرد الزمني للأحداث مع وجود الفلاش باك، فالرواية تسير في زمنين رئيسين.. الأول خطة وتنفيذ سرقة المقبرة، والثاني استعراض للحياة الملكية وبناء الهرم الأكبر.. حتى يظهر زمن ثالث قبيل النهاية بعد نجاح اللصوص في سرقة المقبرة. هذا التشتت في البداية يجبر القارئ أن يقرأ الرواية دفعة واحدة خصوصا بعد تملك جزء التشويق من الأحداث أثناء تنفيذ مهمة السرقة. أما النهاية فجاءت مفتوحة وغامضة، تليق بمصير اللص الذي تحتار هل تتعاطف معه وتعذره فيما فعل، أم تمقته جراء ما فعله! الرواية آسرة ويتجلى فيها المجهود الكبير الذي بذله الكاتب كي يصور الحضارة الفرعونية بهذا الشكل الخلاب.. وأثبت العون نجاحه في التعبير عن شكل روائي قلما ما يجيد أحد الكتابة فيه.