استطاع الإمام الشافعي تكوين مركز وسط بين مدرستي الحديث والرأي بعد أن درس بعناية مذاهب المتقدمين في المدرستين، وذاع مذهبه وانتشر وتتلمذ عليه أعلام ملأوا العالم بعلمهم وأفادوا البشرية بمصنفاتهم، وإذا كان التراث الفقهي يستمد أهميته من موضوعه نفسه فإن هذا الكتاب يتميز بخصائص تزيد من هذه الأهمية وتجعله علامة بارزة في تاريخ التصنيف الفقهي فهو حلقة وسيطة في المذهب الشافعي، ويمتاز بروعة التصنيف وحسن الترتيب، والفكر الفقهي الواعي الدال على عبقرية المصنف، حتى عده العلماء عمدة في تحقيق المذهب ومعرفة ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه من أحكام، ومن أجلِّ الأصول وأمهات كتب المذهب الشافعي وأهمها وأحكمها، وهو أكثر كتب الرافعي نضوجًا، وهو ما جعل الكتاب يحظى بقسط كبير من اهتمام المتأخرين فاعتنى بشرحه واختصاره عدد من الأئمة كالسندي والأصفهيدي الكرماني والنووي، وهو ما ضمن لهذا الكتاب أن يمثل أحد أهم كتب المذهب الشافعي بخاصة والفقه الإسلامي بعامة.
أبو القاسم عبد الكريم بن أبي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين القَزْوِيْنيّ الرَّافِعِيّ الشَّافِعي؛ وكنيته: أبو القاسم، ونسبته إلى قَزوين إحدى المدائن بـأصبهان (555- 623 هـ / 1160- 1226 م)، وهو عالم دين مسلم، محدث من علماء الحديث ورواته، أصولي وفقيه محقق مجتهد، مفسر ومؤرخ، من كبار أعلام الشافعية. جمع بين الفقه ورواية الحديث، واشتهر عند العجم والعرب بعلمه، ومؤلفاته، وبحوثه في العلم، وجودة عبارته. يعرف بـالرافعي، نسبة إلى رافع أحد أجداده، وأصله من العرب، استوطن قزوين، ويعود نسبه إلى الصحابي: رافع بن خديج، وإليه النسبة فيقال له الرافعي. ولد في قَزْوِيْن، سنة خمس وخمسين وخمسمائة هجرية، ونشأ فيها بين أسرة عرفت بالعلم، في كنف والده الملقب بـمفتي الشافعية، ووالدته صفية بنت أسعد الزاكاني. تعلم عند والده المعروف بـأبي الفضل، وخال والدته أحمد بن إسماعيل، وأخذ عنهما، وعن كبار علماء عصره. كان متضلعا في فنون العلم، خصوصا في علوم الشريعة، يوصف بأنه مجتهد زمانه، وله اختيارات وترجيحات في الفقه المقارن، يعد من محرري مذهب الشافعية، ومحققيه في القرن السابع الهجري. ويُلقب الرافعي بـشيخ الشافعية، فإذا أُطلق لفظ «الشيخين» عند الشافعية أُريد بهما: (الرافعي) و (يحيى بن شرف النووي). انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، كان بارعا في العلم تقيا صالحا زاهدا متواضعا. وكان متصدرا للإفتاء والتدريس ورواية الحديث، وكان له مجلس بقزوين للفقه، والتفسير، والحديث. ترجم له الكثير من المؤرخين، وأصحاب كتب التراجم، وشهد له كثير من العلماء بمكانته العلمية. له مؤلفات عديدة منها: فتح العزيز شرح الوجيز للغزالي، والشرح الصغير، والمحرر، وشرح مسند الشافعي، والتدوين، والأمالي وغيرها. توفي بـقزوين، في ذي الحجة، ودفن بها سنة ثلاث وعشرين وستمائة هجرية.
المحرر من أهم مؤلفات أبي القاسم الرافعي، واسمه المحرر ويقال له: «المحرر في فقه الإمام الشافعي»، وهو كتاب مختصر في علم فروع الفقه، يعد الكتاب عمدة المختصرات في الفقه الشافعي، ويحوي خلاصة المذهب، بعبارات موجزة، كما يتميز بجودة اختيار الألفاظ، وبيان الاختيارات في الأقوال، والترجيح والتصحيح، وذكر الألفاظ الدالة على تحديد مراتب الترجيح في الأقوال والأوجه والطرق. وقد اختصره الإمام النووي في متن منهاج الطالبين. قال ابن الملقن: «ومنها: المُحَرَّر وهو كاسمه، وما أكثر نفعه، مع صغر حجمه.» يعد المحرر في فروع الفقه، للإمام الرافعي، من أهم المراجع المعتمدة عند متأخري الشافعية، وقد اختصر النووي كتاب المحرر في كتاب: منهاج الطالبين وقال في مقدمة الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله البر الجواد الذي جلت نعمه عن الإحصاء بالأعداد، المان باللطف والإرشاد الهادي إلى سبيل الرشاد، الموفق للتفقه في الدين من لطف به واختاره من العباد، أحمده أبلغ حمد وأكمله وأزكاه وأشمله وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه. أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات وقد أكثر أصحابنا رحمهم الله من التصنيف من المبسوطات والمختصرات، وأتقن مختصر المحرر للإمام أبي القاسم الرافعي -- ذي التحقيقات، وهو كثير الفوائد، عمدة في تحقيق المذهب، معتمد للمفتي وغيره من أولى الرغبات، وقد التزم مصنفه رحمه الله أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب ووفى بما التزمه وهو من أهم أو أهم المطلوبات لكن في حجمه كبر يعجز عن حفظه أكثر أهل العصر إلا بعض أهل العنايات فرأيت اختصاره في نحو نصف حجمه ليسهل حفظه مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس المستجدات منها التنبيه على قيود في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات ومنها مواضع يسيرة ذكرها في المحرر على خلاف المختار في المذهب كما ستراها إن شاء الله تعالى واضحات ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريبا أو موهما خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات..