إن الهزيمة العكسرية التي منيت بها الجيوش العربية في صحراء سيناء في مستهل يونيو الماضي لهي هزيمة لا ضريب لها في تاريخ العرب القديم ولا الحديث وبحسبك منها أنها هزيمة عرضت العرب زراية الأعداء واشفقاق الأصدقاء وأنت لا تجد بين قرني زراية العدو واشفاق الأصدقاء موضع من الكرامة لنفس كريمة
كانت هذه هي مقدمة الكتاب بجزئه وقسمه الأكبر وهو مشكلة الشرق الأوسط فالجزءان بشقيه التحدي الذي يواجه العرب ومشكلة الشرق الأوسط يصبان في نفس الإتجاه
كتاب كتبه محمود محمد طه عقب الهزيمة المذلة التي منيت بها الجيوش العربية في حرب تعد من أحد أقصر الحروب في التاريخ واكثرها مهانة في ليال لا تتعدى الست أيام لقيت فيها الجيوش العربية خسارة مخجلة من عدو كان من المفترض ان يسحق حسب ما كانت تروج له وسائل الإعلام العربية في ذلك الوقت حتى كانت تصدح ان الجيوش العربية كانت تعربد في تل أبيب بينما كانت العسكرية على مشارف القاهرة ودمشق
يحاول محود محمد طه في هذا الكتاب تسليط الضوء على أسباب تلك الهزيمة المرة فيقسم الكتاب كما يذكر في غلافه الخارجي تحليل سياسي لما حدث واستقراء موضوعي لما قد يحدث وحلول يرى فيها الخلاص الناجع فيبدأ في سرد احداث تلك الهزائم وتفاصيلها مبتدرا تفاصيلها في بباب القضية الفلسطينية متخذا من قضية تأميم قناة السويس عام 1956 مثالا ومنطلقا لتلك الهزائم وقلة حنكة الزعماء العرب مما جر على مصر العدوان الثلاثي
فيقول :
م ان الجيش في الاوضاع الصحيحة يجب الا يكون له تدخل في السياسة.. لأن السياسية تفسده وتصرفه عن تجويد فنه العسكري وتجعله بما يظنه لنفسه من حق في التطلع إلى السلطة السياسية.. يرى نفسه حاكما على الشعب ومن ثم من حقه الاستمتاع بامتياز الحاكم وهو عندهم الترف والدعة
ضاربا بذلك بعد الاخطاء التي أدت ذلك والمفاهيم التي تسبب في تلك الكوارث كالقومية العربية بدل الإسلامية والنظم الثورية العربية والديكتاتورية العسكرية التي كانت تتعامل بها واستخدام الروس للعرب كلعبة في دوامة الحرب الباردة التي كانت على رحاها في ذلك الوقت لكسب العرب في صفها غير انها لم تكن على استعداد لدعم العرب بذات الصيغة التي كانت تقوم بها الولايات الامريكية والكتلة الغربية لدعم الكيان المغتصب وان العرب كان يمكن ان يتجنبوا الانزلاق في وحل الحرب الباردة
ثم ينبري يوضح تاريخ اليهود منذ القدم إلى مرحلة قيام الدولة اليهودية المغتصبة ووعد بلفور الغاشم الذي وهب لليهود ارضا لم تكن لهم وان كان يشير محمود محمد طه إلى ان الأرض يهودية منذ القدم وهي أرضهم الموعودة وهو باب احسست به ببعض المغالطات ولكنه كان نبذة مصغرة عن فكرة البداية اليهودية
احد وبعض الاسباب التي كانت خلف تلك الهزائم فالانتصار اما ان يكون سياسيا بحتا او عسكريا تفرضه بالقوة او حالة من الليونة بين العسكرية والسياسة تمكنك من التوصل إلى مبتغاك ليشير ان العرب فشلو على كلا الطرفين ففي الصراع العربي اليهودي الأول 1948 الذي انتهى في الأنتداب البريطاني بالانسحاب وتسليم السلطة الدولة الصهيونية الوليدة بموافقة مجلس الأمن فكانت سقطة دبلوماسية سياسية عربية ثم تبعتها هزيمة وسقطة عسكرية بعد عدة أيام ثم ينبري لأخطاء عبد الناصر القومية العربية والمعارك التي خاضها العرب مع اسرائيل سواء اكانت سياسية أم عسكرية
يشن محمود محمد طه هجوما شديدا على الشيوعية بين جنبات الكتاب بشكل اصبح مزعجا من كثر تردده بشكل لا يرتبط مع محتوى الكتاب الذي كان يقدمه إلا انه اوصل فكرة استغلال الكتلة الشرقية لذلك الخوف والرعب العربي من الكيان الصهيوني احسن استغلال بينما لم تقدم لهم الدعم الذي كانوا يرتجونه بل لتحقيق افكارها الاشتراكية وهو ما بدا جليا في توجهات الشعوب العربية في ذلك الوقت وحكامها
يرى محمود محمد طه ان الحل يكمن في قسمين اجل وعاجل وكلاهما يتضمن الإعتراف بإسرائيل كأمر واقع الحدوث لا بد منه فرضته الأحداث وعززه قلت وضعف العرب سياسيا فأكسبو اسرائيل تعاطفا دوليا وفشلوا عسكريا بسبب عدم التخطيط والتنسيق لينتهي الامر بهزيمة 67 التي كتب الكتاب مباشرة عقب تلك الهزيمة وان العرب اذا استمروا بهذا الحال لا بد أن ينتهوا إلى التطبيع لا راغبين وعلى حدود 47 التي تضمن دولتين بينما تبقى القدس منطقة محمية محايدة بل مجبرين بشروط اسرائيلية تمتص وتستولي على باقي الاراضي الفلسطينية بالقوة السياسية والعسكرية وهذا على ما يبدو أنه يحدث الان
الكتاب جيد لا يخلو من استفادة برغم صغر حجمه واللغط المثار حول كاتبه وافكاره الدينية التي جعلتني هدفا للتندر والأسئلة والنظرات طالما كنت احمله وبرغم اختلافي مع بعض افكار ومخرجات الكتاب وخاصة القسم الخاص بالحلول الا انه قدم قراءة تاريخية واستقراء مستقبليا في عام 67 نراه يتحقق أمام أعيننا