بقلم: رشيد أمديون لا شك من يقرأ للقاص المغربي رضا نازه لن يختلف على كونه ينطلق من حمولة معرفية، لغوية ثقافية وفكرية غنية وزاخرة، متعددة الروافد. فمن قرأ مجموعته الأولى "الذمة المعكوسة"، ومن سيقرأ له مجموعته الثانية "صف وصفوة"، سيكتشف كاتبا لا يُهدر مداد قلمه سدى. يكتب بوعي حقيقي، إذ جل قصصه لم تتأسس على رغبة البوح بشواغل الذات وانفعالاتها وهواجس الخاطر والفنس، فقط، بل تتأسس (وبمركزية) على طرح قضايا كبيرة ذات أبعاد أخلاقية وسياسية وفلسفية، وعقدية وتاريخية... ينطلق من الجزئي نحو الكلي/العام، لأن القاص يرصد الجزئي/الخاص، أما الكلي/العام فهو-في اعتقادي-مرحلة ما بعد تلقي القصة. أي هو مجال المتلقي الذي يُمنح دور المتم للعمل الأدبي بوضعه في سياقه الفكري المناسب أو سياقه الاجتماعي أو السياسي... «فالذي يقيم النص هو القارئ المستوعب له وهذا يعني أن القارئ شريك للمؤلف في تشكيل المعنى، وهو شريك مشروع لأن النص لم يكتب إلا من أجله». وإذا كان العمل الأدبي يتكون من الثالوث: (المؤلف/العمل الأدبي/القارئ)، فإن ياوس «لا يعتبر العنصر الثالث فقط عنصرا معبرا بل عاملا موجودا مشاركا في التجربة، بل يعد كذلك مركزا لطاقة العمل المقدم». لهذا فإننا حين نقرأ لهذا القاص نجد عنده قدرة قوية على الالتصاق بوعي المتلقي. وهي محاولة ضمنية ناجحة في عملية إنتاج العمل الأدبي. إنه لا يبتعد عن الواقع ولا ينداح عن قضاياه، هو دائم التصوير للإنسان انطلاقا من داخل دائرته العاطفية والفكرية، من داخل مجتمعه ووطنه، هو اتصال وليس انفصال، انصات للمجتمع المعاصر من زواياه المتعددة، عبر طرق وآليات فنية وتقنية اختارها لتكون سمة لإبداعه؛ من ضمنها أن النص عنده لا يُعتبر جاهز المعطى، أو يَسقط في خطابات الوعظ والتقريرية. النص عنده فضاء لتشكيل الموقف وتبني الرؤية وطرح السؤال، و«السؤال هو رغبة الفكر»، أو استفزاز السؤال على الانطراح، لأن «اندهاش الفكر يعبر عن نفسه بالتساؤل» كما يقول هيدجر. وهذا في سبيل إنتاج موقف انطلاقا من رصد الأحداث والمتغيرات والطوارئ والتفاعل معها... دون التخلي عن الأبعاد التخيلية والرمزية والمجازية التي تمنح للقارئ حقل اشتغاله الفكري والأدبي وحقه الأسمى في الاشتراك في إعادة إنتاج النص. هذا هو الاعتبار الأساس الذي يؤكد أن القاص دائم الالتصاق بوعي المتلقي، وحريص على عدم السقوط في السريالية الطافحة أو في التقريرية الجامدة. مهتم بتوظيف اللغة العربية بشكل يخدم المتن القصصي ويعلو بها عن مستوى اللغة المتداولة والتي كرستها بعض الجهات. لغته لا تتعالى ولا تتنازل، تحافظ على بساطتها ورونقها وجاذبيتها اللفظية، وتعالُقها بسجلات معجمية تبني تراكيب إيحائية وتناصية..تفجِّر ذاتها الجمالية بما تزخر به من مجاز وكناية وبديع... تهب الامتاع والفائدة.
القصص القصيرة تقرأك فتقرأها في قالب خفيف ظريف، يعكس حنكة الأديب و حكمة المؤلف. استمتعت كما عودنا رضا بلغة عذبة قديمة جديدة، لا تخلو من اقبالات وادبارات في تاريخ لغتنا العربية.