أتذكر سرقتي للعشرة يوانات التي أفنى أبي عمره لكسبها، ذاك الأمر لا يزال يشعرني بالأسف تجاه أبي ويبكينني؛ لقد أخذت العشرة يوانات من وعاء تخزين الحبوب سرًا، ثم أحضرت زجاجة صلصة فارغة، وذهبت بها إلى أطراف القرية لأشتري صلصة الصويا؛ وحينما رآني أحد جيراننا عند الفناء الأمامي، لم يتوان في أن يشي لأمي بذلك الأمر؛ هرعت أمي المريضة إلى البركة الكبيرة، واستعادت العشرة يوانات ذات الطبعة الثانية، ولم أحصل على صلصة الصويا، في طريقي للعودة إلى المنزل كان قلبي يرتجف من شدة الخوف، خشية أن تضربني أمي. المثير للدهشة أن أمي لم تضربني؛ بل قالت لي بعطف يملؤه الألم: "دا شي، هل تعلم كيف كسبنا هذه النقود؟"، لقد كانت هذه النقود القليلة، شريان الحياة لأبي! وكان سؤالها هذا أشد قسوة من الضرب.
كنت أدرك دائما أن الحزن والعقبات المتتالية ما هي إلا ممارسات حياتية، لذا أردت أن أشكرهم بقدر ما ألهموني القدرة والإرادة. غالبًا ما أفكر، ما سر قدرتي على المثابرة ومواصلة المسير؟ إن الإيمان بأن تحيا العائلة حياة جيدة ركيزة أرتكز عليها، وعلى الرغم من كل المصاعب التي أوجهها في كل خطوة أخطوها، فإنني أمضي بكل ثبات.
عادة لا أكتب مراجعات للكتب ولكن شعرت أني بحاجة أن أكتب سبب تقييمي للقصة. للأسف الكتاب مترجم من الصينية وهذا ما جعله من المستحيل أن أقرأ النص الأصلي لعلي أتبين إن كان المشكلة تكمن من الأساس في النص الأًصلي أم أن المشكلة من الترجمة. على كلٍ. للأسف تجربتي الشخصية مع الكتاب سيئة. مع كامل الاعتذار للمترجمة التي لم أقرأ لها أي نص مترجم من قبل. فربما تكون ماهرة في عملها وقد خالفها التوفيق ولكن كتاب بائع الخضار بالنسبة لي على الأقل كان سيئ للغاية على عدة أصعدة. النص شدي التفكك من ناحية التركيب. ففي كثير من الأحيان كنت أشعر أن الجمل في المقطع الواحد غير مترابطة. وكأن كل جملة فيها قد ترجمت على حدا أو ترجمها شخص مختلف ثم تم دمجهم من بعد ذلك. من فترة ليست للبعيدة وتحديداً في يوم اللغة العربية حضرت ندوة في القاهرة لأستاذ اللغويات وخبير مجمع اللغة العربية خالد فهمي وكان يتحدث فيها عن الترجمة وفي جزء من الندوة تحدث عما أسماه "جنايات المترجمين" وذكر عدة أمثلة وحقيقة من هذا الكتاب أشعرني تماماً بما كان يحاول الأستاذ خالد تأطيره. فالترجمة حقاً مُلبسة وشعرت في كثير من الفقرات بالريبة وأصاب ذهني بعصر هضم للمعاني. لا أريد من المترجم أن يخلق خلقاً موازياً وأحترم أمانة النقل الأدبي وعدم تغيير المترجم للنص ولكن على الأقل أن يُعبّد النص للقارئ فيجعله مهيأ للفهم والتناول. وهذا بالضبط عكس ما شعرت به خلال رحلتي لقراءة الكتاب الذي قررت ثلاث مرات أني لن أكمله بسبب صعوبة التجربة وفقدانها للمتعة. ربما تكون وتيرة الأحداث المملة لها عامل ولكن بشكل واضح تماماً شعرت خلال القراءة في محاولاتي لاستقاء المعاني ورسم المشهد في مخيلتي وكأني أحاول النظر على العالم بنظارة شخص أخر فلا أرى سوى صورة باهتة متعرجة طوال الوقت.
لست ناقداً أدبياً وربما كان تقييمي قاسياً ولكن الأكيد أن النص أشعرني طوال قراءتي بعدم الراحة وشعور بإن هناك شيء خطأ في الجمل وإن كنت حتى لا أمتلك ما يمكنني من وضع يدي على مصدر العطب في النص وإيضاحه.
" ياو تشي يونغ" رجل صيني، يُدرك في إحدى مراحل حياته بأنه لن يستطيع أن يُورت أبنائه مالا وأملاكا رغم العمل الشاق والجهد العظيم الذي يبذله منذ طفولته لتحسين ظروفه المعيشية، لذا يُقرر كتابة قصة حياته، ويوثق كل ما حدث خلال أعوامه الأربعين، ليكون هذا الكتاب مرجعا لفهم الحياة وعيشها. مؤكدا بذلك قناعاته بأن الربح في الدنيا هو ترك الأثر الطيب والوصول للأهداف لن يكون إلا بالكفاح.
ياو الذي لم يكمل التعليم المدرسي، يبدأ بكتابة مذكراته في أوراق عشوائية مبعثرة، يجلس أمام الزنجبيل المترب ساعات طوال وبين يديه قلم وورقة يسجل فيها الماضي، ويحفظه مكتوبا. ورغم سخرية من حوله، ومحاولات ابعاده عن الكتابة إلا أنه استمر في توثيق سيرته. حتى رأته ذات يوم رئيسة تحرير وكالة إخبارية، فأخذت منه الأوراق المكتوبة بعد قراءة أجزاء منها، واعدة إياه بعرضها على أحد المحررين ومساعدته في نشرها. حيث تفاجأت من مقدرة رجل توقف تعليمه عند المرحلة الرابعة على كتابة نص كهذا.
أجبر الوضع الصعب الذي عاشته العائلة "ياو" على ترك المدرسة وهو في التاسعة تقريبا، ليدخل عالم الأعمال البدنية الشاقة، آملا بذلك سد جوعه، ومساعدة أسرته التي تقوم على أب شبه متخلف عقليا، وأم تكافح لتوفير غذاء لابنيها، رغم استحالة الأمر أحيانا. وبعد وصوله العشرين من العمر يقرر ترك القرية والتوجه إلى العاصمة بكين، حيث بدأ العمل ببيع المخللات ثم انتقل إلى الزنجبيل، وبقي في هذا العمل حتى وقت كتابته لهذه السيرة. وثق "ياو" في مذكراته فصول حياته القاسية، ولحظات ضعفه، والانتصارات الصغيرة التي لم يعرفها سواه وعائلته، وإنجازات أبنائه، والمحاولات الجهيدة لتغيير واقعه المرّ.
هذه سيرة ذاتية موجعة، ستعيش فيها حياة "ياو"، وتشعر بالجوع، والبرد، والتعب، والفخر.
أثناء قراءة مذكرات "ياو" أعدت قراءة بعض الصفحات لأتأكد من التاريخ المذكور، وحاولت استيعاب أن هذه المذكرات القاسية تمت كتابتها في أواخر عام 2009م وتم الانتهاء منها في 2012 تقريبا، حيث أن الأحداث والظروف العصيبة أشعرتني بأنها حدثت في الثمانينيات أو ما قبلها.
دفعني هذا الكتاب إلى تقييم واقعي والتفكير في كل ما أملك.
احتوى القسم الأخير من الكتاب على مقابلات صحفية وإعلامية أُجريت مع "ياو"، ونشرت في الصحف والمواقع الإخبارية الصينية.
كتاب جميل تقرأه على مهل، يصطحبك فيه بائع خضار متواضع من الصين في رحلة امتدت لأربعين عاما، حارب فيها الفقر بشجاعة وإصرار، وكان وقوده حب العائلة وطموح كبير للتحول من الفقر، أكثر ما يميز الكتاب هو المباديء المستقرة في قلب الكاتب التى كانت بمثابة عواميد تستند عليها حياته، الثقة والأمل والاحترام والامتنان وتحمل الاساءة واعتبار الصعاب دروس، واعتبار المسيئين معلمين، الاجتهاد وترك الراحة والصبر والاجتهاد، معاني كثير تتعلمها من هذا الرجل البسيط على حافة السوق منهمك في كتابة مذكراته لتكون بمثابة الإرث الروحى لأبنائه.. قصة تعلمك الصبر قبل كل شيء